الأربعاء، 16 يوليو 2014

دلاع في مطار شارل ديغول ( رحلة باريس الثانية)


                  
                             دلاع في مطار شارل ديغول 
                                                         خالد درويش
تصوروا .. وهذا حق مؤكد لقد أكلت (دلاعا) و|أنا جالس في محطة القطار السريع بمطار شارل ديغول .. كان ذلك طريف ولذيذا وغريبا .. التقيت بالمغربي (بوحلالة) من القبايل وهو رجل فاق الستين بقليل ، بسمته حادة جدا ، نحيف القوام شديده أسمر سمرة شمس ، خفيف الظل إلي حد بعيد عفوي إلى أبعد ما يكون ، عاش وترعرع في فرنسا وكبر هناك ، وهو الأن عائد من "كازابلانكا"التي جادها كي يتزوج ، تبادلنا الحديث والتعارف السريع والمعتاد بين مسافرين تجمعهما الغربة واللغة و(الوطن العربي الواحد) ،، كان يبعد عني بأمتار قليلة وهو يحادثني وينطلق الكلام من فمه رذاذا ، مما جعله يصرخ بدا أن يتكلم ، كان "يكمي" يدخن في مساحة مخصصة للتدخين ، لم يكن يقف تماما في المكان المخصص للتدخين ولكنه قريب منه ، وبحكم زننا الوحيدين في هذا المكان كان لابد من تجاوز بعض الأمتار للتقريب بين وجهات النظر العربية .
حكى لي قصته كاملة مكملة ، كنت مأخوذا ببراعة القص لديه التي تضاهي "زفزاف" في ذلك .. حكى لي عن الحادث الذي تسبب في كسر يديه أثناء العمل وعن وحدته القاتلة والمرة في فرنسا ، غربته النفسية والروحية ، أخرج لي من حقيبته نسخة من القرآن مترجمة إلى الفرنسية وكذلك صحيح مسلم بجزئيه الزول والثاني وكتاب منهاج المسلم كل ذلك في طبعات أنيقة وفاخرة ، قبل المصحف قبل زن يعيده إلى مكانه كعادة عجائزنا في بساطتهن نسي أنه كان قبل قليل يدخن الحشيش "يكمي" .. ثم أخرج لي المفاجأة التي لم أكن أتوقعها : دلاع أحمر ،، أخرجها وهو يقول :
ــ خير من تفسد ،، أخذت منها شوي ودسيت الباقي .
قلت له وأنا أموت من الضحك والمفاجأة :
ـــ ماذا تسمونه عندكم ؟
أجاب بسرعة وتلقائية :
ــ دلاع ،
مد لي قليلا منه فتذوقته ، كان بوحلالة يُغرق المكان بمياه الدلاع التي (تشرشر) من كيس النايلون الذي يغلفه بها ، لم يعبأ بشيء ، إنه نوع من الرنتقام من المستعمر ، كان ميزاب صغير من المياه يطرطش من خلال الكيس ،لكنه ظل يبتسم وهو يقرقش الدلاع بلذة ، لم أستطع إلا أن أجاريه في مزمزة هذه الفاكهة التي أحبها والتي لحقتني إلى هنا عن طريق بوحلالة المغربي الطيب والتلقائي والكريم كرم أهل المغرب وأصالتهم .
                                         2
الرحلة إلى باريس ثم ليون ثم الريف الفرنسي حيث مهرجان الشعر الذي يستضيفني هذا العام ممثلا للشعر الليبي وبترشيح من المعهد الثقافي الفرنسي بطرابلس ، والتي انطلقت من طرابلس حيث رهاب السفر وحزم الحقائب والأوراق ولوازم أخرى لابد منها كمعرفة المكان والسؤال عن فنادق فب باريس عبر الانترنت وحجوزات متعبة لشاعر محدود الدخل مثلي .
محطة النزول ستكون مطار شارل ديغول والتي ستكون شبه تعب حقيقي لبدوي مثلي ، المحطات كثيرة والترمينات اكثر واحد واثنين وثلاثة وكذلك لغياب المعلومات فمن الصعب أن تسافر مقتحما أوروبا على جوادك العربي وخصوصا عاصمة النور بالتحديد دون أن تعرف المكان الذي ستصل إليه بالتحديد زغم أن الوسائط متعددة وما عليك إلا أن تتأهب ببعض منا .
                                       3
الريف الفرنسي امتداد أخضر جميل ، غابات كثيفة من الأشجار منمقة بعناية ومهذبة كأنها صورة فوتوغرافية لمنظر سياحي ،، كان الجمال يحوطني من كل جانب ، أما الجانب الأيسر لي حيث كنت في المقعد الملاصق للنافذة فقد احتلته أو توجته بالأحرى (جميلة فرنسية) ـ (صقع) ،، بالنسبة لي صمٌ بكمٌ ،، ولكن ليسوا عميا بل عشرة على عشرة ففي هذا المكان أنت محتاج إلى حاسة واحدة فقط هي : النظر ،، تذكرت قول الشاعر العربي :
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا   
            يوما لعينيك أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله قادر 
       عليه ولا عن بعضه أنت صابر
تتجول عيناك في هذا القطار الذي يخطف مجموعة من البشر الحقيقين ينغص عليهم رحلة الخطف هذه بعض البشر غير الحقيقيين ، زردة ، محل حلويات مكتوب على بابه (بالمجان) ،،أما خلفي فكانت تجلس عائلة جزائرية بطفلتين ، الصغرى (الله لا تروعك ، عياط على وذنه) مناحة  ، أما أمها فلم تقصر في إسكاتها فقد كان الكف شغال والظرب شغال والقرص من تحت شغال ، البنت قلبت اللوحة القطارية إلى "جيوكندا متجعدة" لوحة صوتية تصم الآذان ، استمر هذا الإزعاج إلى أن فتح الله رحمته وأطلق منها الاختراع الأفضل في الكون والذي يسمى النوم ،، نامت البنت ونمت أنا أيضا .
وما ذاك إلا لأنني من النوع الذي لاينام ليلة السفر ، أصاب بفوبيا من نوع خاص لا أنام بل تضل حقيبتي مفتوحة إلى ما قبل المغادرة بقليل في كل مرة أضيف شيئا أو أنقص شيئا ، وأسجل تفاصيل الرحلة في ورقة فتراني أدور في الغرفة بورقتي وقلمي كأنني سفرادجي يسجل الطلبات ، بين يدي خريطة الرحلة والأشياء التي سأفعلها والأشخاص الذين سأتصل بهم ، أعد في هذه الورقة أرقام هواتفهم والغرض من الاتصال بهم رن كان أمرا شخصيا أو ثقافيا زو للاطمئنان والتواصل ، أسجل في هذه الورقة الخريطة معلومات عن الأماكن التي سأزورها عن المتاحف التي سأرتادها المكتبات المقاهي الشوارع الكتب الأفلام التي سأقتنيها ، محطات القطارات القريبة من كل ذلك ، أسجل أرقام المترو وعلاماته التي تؤدي إلى معلم ما أو أثر ما فتجدني مثلا أسجل الملاحظة التالية : لزيارة برج إيفل نأخذ من م شاتليه إلى م ليزال ثم بيرحكيم . ويكون النزول في محطة بير حكيم القريبة جدا من برج إيفل وهكذا مع متحف الشمع او متحف رودان او 
بيكاسو ،
                                       4
الجميلة النائمة التي بجانبي بردت ، استيقظت ولبست كنزة خفيفة سوداء لكنها جميلة من نوع كشميري ناااااعم ، طبعا لقد بردت من فوق أما متحف الشمع الطبيعي الذي من تحت فلم يعرف مفردة الزمهرير التي تفجرها شركة هذا القطار عبر مظخات قاتلة تسمى مكيفات تحتية تجعل من بدوي مثلي يتجمد من البرد مع زن الشمس في الخارج أي خاري هذا القطار تشوي الوجوه .
الجميلة النائمة استيقظت وهي حائرة في هذا الكافر الذي بجانبها والذي يمسك بورقات وقلم ويكتب ؟ يكتب هذا التيس البارد ويتركها بجانبه بقضها وقضيضها وكأنه آلة أو جماد لا تحركه ( هذي المَدَامُ ولا تلك الأغاريد) ،، أيها العاجز  إرفق بالقوارير ، انظر لها وابتسم على الأقل ، حرك شفاهك ( اعمل اي حاجة تحسسها إنها بشر واللي جالس بجانبها بشر بردو) ،، أين هي نخوة العرب وإغاثة الملهوف وإجارة الخائف .. آه ياجارة الوادي أو يا جارة القطار .. سكتُ وعاد لي ما يشبه الإطراق من محياكي) ،، مع الاعتذار لشوقي وفيروز ، إيه أيها البدوي الجبان هاهي الجنان والغيد الحسان فاملاء الدنان ، فإن تحت التراب نوما طويلا كما يقو الخيام .
                                     5
انغمست في قلمي وورقتي وكتابي ، كان الكتاب دائما أنيسي الذي لا أتخلى عنه ولا يتخلى عني ،كنت أقرأ كتابا للبرتغالي سراماجوا عن تجربته في الكتابة والحياة بترجمة ركيكة من منشورات الهيئة المطرية للكتال لكني مجبر على قرائته حبا في سراماجوا صاحب (العمى).
أخرجني من كل هذه الأفكار الجبانة صراخ البنت الصغرى للعائلة الجزاىرية ، لقد استيقظت هي الأخرى وحل رمضان باكرا ، أصبحت تتقافز في القطار من مقعد لمقعد آخر ، اشتغل حاتم الكور في العربة فمن هدرازي بين الركاب إلى العدة وين ؟ إلى شدني وانشد معاك إلى مسلسلات الأطفال مرورا بهيا بنا نلعب .
                                      6
وأنا جالس في محطة القطار وقبل أن ألتقي بأبي حلالة ودلاعه اللذيذ ، سألت ألف سؤال وسؤال تذكرة الطائرة كانت سهلة وصلتني بالايميل أما  تذاكر القطار فقد أرسلت لي من إدارة المهرجان عبر (آرامكس) بالبريد الجوي لغاية بيتي ، وصلتني التذكرة التي حجزت لي ولأن الرحلة متقطعة وبها تفييرات كثيرة كي تصل المدية الريفية التي يقع بها المهرجان ، لذلك كان على وأنا في المطار لابد لي من السؤال ، لم أفلت أحدا حضر في يوم 16يوليو إلى هناك إلا وهبكته بسؤال : أين محطة مونبلييه منين نطلعلها ، أحدهم يقول لي خذ قطار المطار الداخلي الذي يوصلك إلى ترمينال 2 ثم ابحث عن vga أما الأخر فيدلني على snfs ، صعود ونزول صعود ونزول وأنا الذي لم يعرف مترو ولا محطة قطارات ولا ترمينالالااات بل أقصى غايتي محكة الأفيكوات بجامع بورقيبة ، واستمر مسلسل البحث ب
أقرأ ترجم اخبط اضرب إلى أن اكتشفت أن الأمر سهل جدا ، الحل بسيط ، ما عليك إلا أن تتبع الإشارات مثل بطل باولو كويلهو في (الخيمائي) وهي سوف تدلك ، اقرأ المكتوب على شاشات العرض فما دام لديك التكت فانتهى الموضوع لكن أيضا السؤال مية مية وما يضرش ، في رحلتي السابقة والتي كانت ميسرة جدا من طرابلس آلى باريس ومن باريس الى مونبليه بالطائرة أيضا ثم أجد سيارة المهرجان في استقبالي أسلم لهم نفسي وأنام ، لكن هذه المرة البحث عن محطة القطار والاتجاه سيكون ليون مونبيليه ثم الجن الأزرق .
المهم اهتديت بعد مشقة إلى المكان المطلوب والذي سينطلق منه القطار على تمام الساعة الرابعة ، تنفست الصعداء ،واسترحي أخرجت من حقيبتي بعض المأكولات الخفيفة التي تناولتها بشهية ، وأنا في حالة انهماك وسد ثغرة الجوع الذي آلمني حياني بلطف وبلهجة ليبية شخص قائلا :
ــ السلام عليكم الأخ ليبي ؟
كان السؤال مخيفا لي إلى درجة أن غصصت بطعامي خصوصا وأنا في اللقمة الأخيرة والتي إزدردتها بغضب شديد مع جرعة كبيرة من العصير ،
أجبته بضعف :
ـــ نعم أيوا ليبي 
أخذ عقلي يدور جيئة وذهابا ، يفكر في هذا الرجل الذي يقف على رأسي ويسأل عن جنسيتي ،ظننته أحد رجال المخابرات (جالك الموت يا تارك الصلاة) زاغت عيناي وتململت قليلا ، ازدردت لعابي وأنا أفكر في جريمتي التي اقترفتها ، فاذا فعلت يا ترى ؟ هل هو من الأمن الداخلي أو من الأمن الخارجي ؟ هل كان يتعقبني م هناك أم من هنا ؟؟ دارت في خلدي كثير الأحتمالات هل سببت القذافي في سري أو تهكمت على النظام الجماهيري هل سمعني أحد فوشى بي ؟ كل ذلك مر في ذهني كلمح بالبصر .
سألني :
ـــ تتكلم فرنسي ؟
وقع في يدي .. آه هاهو يلقي بتهمتي أمامي ، أكيد لديهم معلومات عن علاقتي بالمعهد الفرنسي ونشاطي الثقافي أليس هذا جريمة زليس عمالة للغرب ، خصوصا أن اللغات الأجنبية محرمة أو مغضوب عليها . ماذا زفعل يا ترى ؟ 
أجبته :
ـــ شوي يعني انخلص روحي 
وأضفت : تفضل .
عرفني بنفسه فقد كان مديرا لإحدى الشركات التي إسمها "يخلع" شركة كبيرة وهو متوجه إلى ليون مع أصدقاءه وأشار رليهم التفت فوجدت شبابا ينز المني من أعينهم تعرف في وجوههم نظرة الشبق . مد الشعبي رجليه ، وتنفست الصعداء وهون علي (الحمد لله) نهضت معه ومنحته خبرة ساعتين من التيه والضياع والسؤال في هذه المحطة وعنها . وبطريقة الساحر الذي يعرف كل الزسرار أوصلته إلى الــ quai الذي سيركب منه ورقمه المكتوب على التذكرة فأحسست بعظمة أن أُسأل فأجيب بدل ذل السؤال وأن تكون أنت السائل لا رد الله سائلا .
                                         7
في مطار طرابلس التقيت (بأم ناجي) مديرة المعهد الثقافي الفرنسي بطرابلس ، كانت مصادفة سعيدة فقد كانت تسافر إلى أمها في الجبال لتقضي معها الإجازة صحبة(ناجي) ابنها الصغير وقد سمته بهذا الاسم تيمنا بناجي العلي الذي كانت تحبه جدا وقد كانت عملت قبل أن تأتي إلى هنا في إحدى دول الشام . كان حديثنا حول المشاكل الثقافية التي تعترض التمازج بين المثقفين الفرنسيين ونظرائهم الليبين (كلمة نظراءهم هذه الكلمة كلما قرأتها آو كتبتها أو عنّت في ذاكرتي أتذكر ذلك المشهد الرائع بفيلم الرسالة حين يصرخ عتبة : يا محمد أخرج إلينا نظرائنا من قومنا،، إلى أن يرد عليه حمزة : ألسنا نظرائكم ؟)
كان ناجي مستسلما للعبته الالكتروية يحارب أقواما بداخلها ويصد هجوما ويقاتل بشراسة ناجي العلي في رسوماته ، أما زمه فكانت تتحدث عن مصاعب عملها ، كانت دائما تتوقف لتشكرني على ما أبذله للتقريب بين المدعين الليبيين و(نظرائهم) مما ساعدها في عملها كما تقول ، أوضحت لها أن الإدارة التي في المعهد هي من ضيع جهود مستر بينوادلاند الذي عملت معه لأربع سنوات كانت من أزهى سنوات المعهد الفرنسي بطرابلس ثم جاءت إدارة فرعون كما يسميه العاملون في المعهد لتهتم لا بالثقافة والمثقفين بل بأشياء أخرى فانعدمت الزنشطة وتقلصت دورات اللغة الفرنسية وبصعود التوتر مع المهدي امبيرش( أمين الثقافة) في ذلك الوقت خصوصا في التحريض من قبل الأمانة على الثقافة الفرنسية والموقف الشهير لسيادته من محاظرة الطاهر بن جلون وصعوده المنطة وكيله السب والشتم للمحاضرة وللحرية الفرنسية المزيفة حسب رأيه وتوجيهه اصبعه للسفير أثناء كلمته هذه دون مراعاة لآداب الحديث زو اللباقة والضيافة مما أدى إلى استياء الحاضرين جميعا خصوصا زنه قُدِم بصفته أمينا للجنة الشهبية العامة للثقافة أي وزيز الثقافة أي هذا هو نموذج المثقف الليبي وما كان منه بعد ذلك من إغلاق ورشة الفنون التي كانت من المزمع تنفيذها بمجموعة فرنسية وفنانين ليبيين ولعل الزجمل في ذلك هو إزادة هؤلاء الفنانين في خلقهم وإبداعهم وتحديهم حيث اتخدو من ورشة لآزواب حديدية في أحد أحياء طرابلس معرضا لهم وقموا أجمل عروضهم ولوحاتهم بعد أن أضافوا على تلك الورشة الخردة لمساتهم الفنية الساحرة ولعل أشهر من وثق لتلك الحادثة مقال جميل بديع كتبه أ. حسين المزداوي يهاجم في الوزير نشرته مجلة المؤتمر تحت عنوان "متهم بالجمال" ثم صدرت جميع الأعمال المعروضة في هذه الورشة في كتاب يوثق لهذه التجربة تحت غنوان (ضفاف) اللقاء الأول للفن المعاصر بطرابلس كانت ورشة نجح في إدارتها المبدع لؤي بوهروس.
                                       8
الجميلة النائمة والتي أخذ الملل يدب في زوصالها وقربها هذا الفأر الأبكم ، ابتسمت بخدر لذيذ مما أوقد في داخلي جهنم أس12 تسمرت في مكاني . هل تقصدني ياترى ؟ أم تقصد أحدا غيري بابتسامتها هذه ؟ ليس أحد سواي سوى زجاج النافدة ، زه لعلها تبتسم لزجاج النافدة ، حاولت ألا أكون فضا أو غبيا لأن أحدنا عليه أن يرد الابتسامة وألا فإن روحا بشرية من أجمل ما خلق الله ستتأذى ، على أحدنا أن يرد إما أنا أو زجاج النافذة ، تأخر الكلب ولم يرد ، لم أجد بدا من أن أفرج شفتي قليلا وكأنني طفل يقاد إلى المدرسة في يومه الأول ، إحدى أسناني الشريفة لمعت ، لقد فعلها بي زجاج النافدة وأوقعني في هذه الورطة .
مرت المعركة بسلام تأكد لهذه الفاتنة أن بعضا من حياة أو حياء تدب في أوصال جارها ،فأر الكتب هذا ، انشغلتْ بهاتف جاءها فردت عليه ، شكرت شركة نوكيا وكل العاملين بها لإنقاذي من هذا الموقف أخذت نفسا عميقا وقد ارتفعت حرارتي ، كان زجاج النافذة يمد لي لسانه ويهمس في أذني : يا شلافطي .
                                     9
كانت تتحدث بموسيقى ونوتات إن سمعها قديس فإنه سينتفض فمابالك وهي تتحدث وتنظر إلى وأصابعها تعبث بخصلات شعرها، ( آه البنت دي فاضية والطريق طويلة وتبي تهدرز ) قلت في نفسي بعد أن هدأت قليلا على بني يعرب الآن غزو بلاد الفرنجة وإنقاذ سمعة 200مليون عربي من الضياع ، اتجهت بوجهي مباشرة نحوها ، كانت هذه هي المرة الأولى التي أفعل فيها ذلك ، كنست عن خدي أمواج الحرارة والسخونة التي أحرقتها نتيجة قربي منا ، من موقد الجمال هذا ، وبدو أي تفكير وقبل أن يستزلني الشيطان وأعدل عن هذه الفكرة قلت لها في مايشبه الصراخ :
ـــ سكوز مواااااا .
افتّر ثغرها عن بسمة لذيذة معناها ، هاهو الغبي البليد قد تحرك وعرف أن بجانبه إمرأة ، وحرام كل الحرام أن تترك وحيدة دون زن تتجاذب معها أطراف الحديث أو حتى أن تسألها أغبى سوال في الكرة الأرضية وهو كم الساعة ؟ لكني لم أسألها هذا السؤال الغبي سألت سؤالا أغبى :
ـــ كم يلزمنا من الوقت لكي نصل مونبلييه أو هي ليون ؟ لم اعد واثقا بالظبط
أجابت في خفقة ريح :
ــ أربع ساعات 
سألتني عن الكتاب الذي أقرأه ،، ويا ليتها ما سألتني ؟ انهمرت أحكي عن سارماغوا وكأنني القابلة التي استقبلته من فرج أمه ، عن حياته عن رواياته عن رواية العمى وعن الفيلم الذي أخرجه ومثلتث به والذي أفتتح به مهرجان كان 
أفرغت ما في جعبتي وكزنني زنتقم لإهداري كل هذه الساعات الفارطة والتي لم زنعم فيها بتزمل وجهها الرشيق ورقبتها المرمر وشعرها الحرير ، وهي تؤنس هذا القطار المختطف ، حتى العائلة الجزائرية وابنتهم الصغيرة أصبح صراخها موسيقى بيانو لذيذ وصفعات أمها لها كمنجات مدوزنة تبهج الروح .
انتبهت إلى أنني أسرفت في الحديث الذي كان خليطا من جميع اللغات وأهمها الإشارة ، انتبهت إلى ضحكاتها وهي تفرقع وسألت نفسي مالذي كنت أقوله لها وبأي لغة ؟ توقفت لأسألها عن دراستها وعن عملها مثلما يفعل شيخ المحلة ، فصصتها . 
كانت باحثة جيولوجية تقيس الأرض وكل عملها في المختبرات مع التراب والصخور أي أنها لا تعرف سراماغوا ولا بوعجيلة الأفرك ، أخذنا الحكي والمسامرة والضحك ، واكتشفت أنا البدوي أن الأمر أسهل بكثير مما كنت أعتقد وأن الحياة تفاحة طازجة ، أقرشها بلذة وتذوق حلاوتها تحت لسانك واترك شيئا للصدفة بعد ذلك .
أمضيت وقتا جميلا وأنا أشرح لها أو تشرح لي بكل اللغات والإشارات والتمثيل والرسم كل شيء مما جعل ضحكاتنا تطرقع ، زمضيت وقتا سعيدا معها بالطبع ولم يفتني أن أتبحج أمامها بأني شاعر وصحفي ولدي مؤلفات وكتب وأعزف الموسيقى وأرقص الباليه وأعشق التصوير وأنا مع حرية المرأة وأكره الانغلاق وأحب باريس وغيره مما لا رقيب ولا حسيب ألست غريبا في بلادها والمثل الليبي يقول (تغرب واكذب) ،، هههه ، كنت أتأمل شعرها الجميل والذي لم زخفي إعجابي به ، أخبرتها بذلك ثم قلت في نفسي لعلها ستفهم ذلك تحرشا بها وأنني (عكيت) من أول لقاء ، وأنها ستظن بي الظنون وزن هذا البدوي المكبوت يراها فراشا وثيرا (وهي والله كذالك) .كان كل ذلك خيالا مريضا في جمجمتي أنا وحدي ، ما كان منها إلا أن أخذت خصلاتها بين يديها ونثرتها أكثر من ذي قبل وهي سعيدة بهذا الغزل والإطراء . ،، كان زجاج النافذة يطرق بعنف إحدى جانبي ويهد كتفى بإصبعه كما يفعل (علي الزويك) دائما ، ويقول لي (نوض يا شلافطي) ياسر القطار وصل .


الخميس، 10 يوليو 2014

سامحنا يااااااااااا قسومة


غسيل محلي قابل للنشر.. حول مؤتمر الأدباء والكتّاب العرب المنعقد في بلادنا / ابوالقاسم المزداوي


                                                                                                                                                           ابوالقاسم المزداوي/
14/10/2009

لابد  لي من توخي الحذر أولاً فيما أود قوله حول ما يطبخ هذه
 الأيام في كواليس رابطة الأدباء والكتّاب من وجبات نتمناها أن 
تكون شهية، ولو بالنسبة للضيوف الأعزاء من الأدباء والكتّاب 
العرب الذين سيحضرون المؤتمر القادم بمدينة سرت بعيداّ عن 
وجع الدماغ بخمسمائة ك م، والذين هم بدورهم لن يتعبوا 
أنفسهم كما اعتادوا  حتى بالسؤال عن وضع الرابطة وسبب 
مقاطعة  الأدباء والكتّاب الليبيين لمؤتمرهم العام والمنعقد على 
أرضهم، رغم أن أغلب هؤلاء له علاقة وطيدة بعدد كبير من 
الكتّاب الليبيين بل وتربطه علاقة جيدة بهم، ما يجعلهم يسألون 
عنهم ويتفقدون أحوالهم فقط  خارج قاعة المؤتمر وذلك 
بالاتصال بالهاتف أثناء فترة الاستراحة بقصد رفع العتب ليس 
إلا، وهو ما يثير الاستغراب من مثل هذه المواقف السلبية 
المتكررة . 

ولذلك وبناءً عليه فإن الإخوة القائمين والمشرفين على هذا 
المؤتمر سيتعمدون عملية التعتيم عن هذا الموضوع بل وتحاشي 

الحديث عنه بأي وسيلة ممكنه، وإذا لزم الأمر فهناك من هو 
مستعد من ( الزمزاكة) بالتطوع بحزمة من الأكاذيب وربطة من 
التلفيق والمناورات بحثاً عن مبررات يمكنها أن تُسِكت الضيوف 
( ليس بالضرورة إقناعهم ) كي يمر الموضوع بسلام كما مر في 
المناسبات الماضية في مؤتمر الخرطوم وكذلك مؤتمر سرت 
مثلاً، واللذين عاد منهما بعض هؤلاء المشاغبين من الكتّاب 
العرب وهم قلة ببعض الشكوك حول ما يجري بالضبط في رابطة 
الأدباء والكتّاب الليبيين دون محاولة التأكد أو البحث عن حل 
بطرح الموضوع للنقاش علانية لأن الغالبية منهم عمل وفق 
المثل الليبي القائل (املأ البطينة تستحي العوينة) وعليه فلابد 
لهم من الكف عن الأسئلة حول هذا الموضوع إذا  أرادوا الهدنة 
التي تعني توجيه الدعوة لهم في مناسبات قادمة، مع التكفل بدفع 
مصاريف السفر والإقامة وهذا أقصى ما يطمح إليه البعض من 
هؤلاء الكتّاب خصوصا لو كان هناك مصروف جيب أيضاً 
وبالدولار أو باليورو!!!

أما ما يجري في الداخل بخصوص هذا المؤتمر فان الأغرب من 
ذلك أن الإعلام الليبي لا يعرف عما يجري خلف الكواليس سوى 
الإعلان المتواضع الذي نُشِر من مدة عن هذا المؤتمر ومازالت 
تتناقله وسائل الإعلام العربية كما هو، أما الأدهى والأمرّ في هذه 
الحالة أن  الأخت أمينة الشؤون الإدارية  للرابطة في طرابلس لا 
تدري بكل ما يجري في سرت ولو من باب العلم، وهذا ما ذكرته 
لمصدر موثوق  وبعظمة لسانها وهذا أغرب من الخيال  
باعتبارها هي المسئولة الأولى والأخيرة عن الميزانية، وما 
يدخل للخزينة وما يخرج منها وفق السياق الوظيفي خصوصا 
وأن الرابطة تستعد لهذا الحدث العربي الكبير الذي يتطلب 
استعدادات وأموالاً ليست بالقليلة والتي لابد وأن تكون السبب في 
هذا التكتم وهذه القطيعة بين أعضاء أمانة الرابطة، لأن الكعكة 
مهما كبر حجمها لا تتحمل كثرة السكاكين خصوصاً إذا كان 
الجوع قد استبد بالبطون وبالتالي أعمى العيون وأجهز عما تبقى 
من البصر والبصيرة .

هذا ما يجري على مستوى  القمة بالنسبة للرابطة أما على 
مستوى القاعدة فإن (مهمة) في الشهر إلى أي بلد تكفي 
لسكوتهم لأن المقصود هو قرار الإيفاد وبعض المستحقات وما 
يملأ سطور المقالة الأسبوعية المليئة بما لذ وطاب من الموائد و
(الزرايد) وبعض المشاهدات الجميلة من رقصات وعادات 
وتقاليد في جيبوتي مثلاً أو حتى في موريتانيا .

أما فيما يتعلق بالمناشط الأدبية أو مجلة الفصول الأربعة، وما 
يجري من أحداث وحوادث على مستوى الثقافة والفنون فإن 
نظرية ( الراعي ربي) هي الأقرب للتطبيق، اتكاءً على أن  
التأجيل المتواصل للتصعيد وغياب الحسيب والرقيب وفقدان 
الأمل في إحياء القضية المرفوعة ضد أمانة مؤتمر الشعب العام 
المتعلقة بعدم شرعية تصعيد أعضاء الأمانة الحاليين وقديماً قال 
أجدادنا (الرزق السايب يعلم....أشياءً عديدة) .

من هذا المنطلق  لا أجد ما أقوله لأعضاء الأمانة  الحاليين سوى 
كلمة طريفة غالبا ما نرددها في حالة اليأس: هيا ... زيطوا فيها ....... 

الكاتب الليبى فتحى نصيب /أنا أعشق اللغة العربية، مفرداتها وظلالها وجمالياتها


                                                             حاوره / عذاب الركابي
بدأ حياتهُ الأدبيّة قاصّا، وتميز منذ البداية بلغته، وتقنيته القصصية وموضوعاتهِ المنتقاة بذكاء من الواقع.. وهو ناقدٌ أيضا يربض فى إيقاع الكلمة.. يُصغى لفعلها الإنسانيّ، ويجد ُ فى دويّها وصخبها نافذة مطر وريحان للدخول فى عوالمها المختلفة.. والجميلة!فتحى نصيب.. يكتب لأنّه يجدُ لذة فى الكتابة..، ويكتبُ ليحاور -بكلّ شفافية- الأشياءَ التى تحيط به.. لا تملك إلا أنْ تبارك قريحته.. وتحترم جنون أصابعه التى تعد بالكثير من الإبداعات الجديدة والمثيرة!فى هذا الحوار الدافىء، يُدافع عن الكلمةِ النزيهة.. المعافة تماما من فيروس الرياء والإطراء..، ويُراهنُ على فعلِها وهى تغير وتوقظ تارة، وتارة أخرى تشعل - بأسئلتها الضرورية- الحرائق..!واقعنا العربيّ سرياليّ بامتياز* فتحى نصيب، كاتب وناقد وصحفى ومحاور جيد، ما جدوى الكتابة فى زمن ترتفع فيه لغة وأصوات الجرافات والقاذفات فى مدننا العربية؟ -أقول وبكل مرارة أننا نعيش عالماً لا واقعياً، يعجز حتى كتاب الواقعية السحرية فى أمريكا اللاتينية عن تخيله أو تصوره. واقعنا العربى "سريالي" بامتياز؛ فعلى الصعيد العربى – العربى غابت لغة الحوار سياسيا وثقافيا، ولم يعد العربى يسمع أخاه، داخل البلد الواحد وبين قطر وآخر. وعلى الصعيد العربى – الخارجي، انقسم العرب بين تابع للهيمنة بكل أبعادها وبين رافض لها. والنتيجة العملية ما يحدث فى فلسطين والعراق وغيرهم ينتظر دوره على القائمة.لقد تساءل "سارتر" يوما عن جدوى الكتابة فى عالم يتضور جوعاً، وأضيف ما جدوى الكتابة فى واقع يرتفع فيه أزيز الطائرات ولعلعة الرصاص وتنتشر فيه الأمية الأبجدية والثقافية ويشيخ فيه الأطفال قبل سن الرشد؟ إن العالم من حولنا فى آسيا وأمريكا اللاتينية يشد الرحال نحو مصاف الدول المتقدمة ونحن من محيطنا إلى خليجنا نتراجع بانتظام وإصرار غريب نحو الخلف؟ هل تعلم أن جزيرة "مالديف" سوف تصنف فى عام 2012 من ضمن الدول المتقدمة؟ لم تعد دول آسيا كما كانت، ففى خلال مدة وجيزة أصبحت من "النمور"، وكذلك الحال فيما كانت تسمى "بجمهوريات الموز" أو حديقة أمريكا الخلفية. واقعنا بائس، ولا استغرب إذا استمر المنوال على ما هو عليه أن نوضع إلى جانب الديناصورات المنقرضة فى متاحف العالم.المثقف – المبدع ُ صانعُ ضمير الأمّة* هل يمكن أن نسمى هذا العصر.. عصر الهزال الثقافي؟ لماذا صارت الثقافة هزيلة وإعلانية وشكلية؟ ما أسباب هذا الهزال؟ أين الثقافة التى كانت تفعل فعل الرغيف والطعنة والرصاصة؟- أولاً إجابتى السابقة تحمل إجابة عن سؤالك، وثانياً أنا ضد تضخيم دور الثقافة والمثقف، فإذا كانت الكلمة رصاصة كما تقول فإن ذلك يستدعى أن تستخدم الرصاصة لقمع الكلمة، وأنا ضد لغة الرصاص بأى حال من الأحوال.وثالثاً أن الكاتب أو الفنان مثل الطبيب والمهندس والعامل، أى أنه ينتج سلعة ثقافية مثل غيره من المنتجين، الاختلاف فى الأداة فقط، كأن تكون اللغة أو الألوان أو الأصوات.. بمعنى آخر أنا –شخصيا- لا أعرف ولم أسمع عن رواية أطاحت بنظام سياسي، أو قصيدة دفعت بلداً إلى اتباع سياسة رأسمالية أو اشتراكية، أو مسرحية حققت توزيعاً عادلاً فى الثروة.. إن هذه التغيرات تحتاج إلى عشرات الشروط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، بعضها داخلى وبعضها إقليمى أو خارجي.. هناك تضخيم مبالغ فيه من قبل المثقفين أنفسهم وكذلك من قبل بعض الأنظمة لما يسمى بشريحة المثقفين ودورهم فى قيادة المجتمعات.إن المثقف – المبدع من وجهة نظرى هو أحد صناع ضمير الأمة ولكنه ليس الأول وليس دوره هو المؤثر الوحيد.أما فيما يتعلق بما أسميته "بعصر الهزال الثقافي" فأنا اتفق معك، فلم يعد أحد يقرأ كالسابق ولم يعد أحد يرتاد المسرح الراقى كما فى الماضي، وربما يعون "هزال الثقافة" إلى جرأة البعض على اقتحام عالم الفكر والثقافة دون أن يمتلك الأدوات الحقيقية، فأصبحنا نقرأ ونسمع سخافات -فى القصة والشعر والرواية والمسرح الخ..- ليس لها علاقة بالأدب والفكر، إن الكتاب -أو المسرحية أو الفلم- الجيد الذى يمنحنى متعة ويثير فيّ تساؤلات ويحفزنى على إعادة النظر فى الحياة ويثير بداخلى أسئلة عن الواقع المعاش ويمنحنى القدرة على الحلم. غير متوفر فى معظم الإنتاج الأدبى والفنى السائد الآن.* تكتب القصة القصيرة بجمال وشفافية، وبينك وبين كلماتك وقصصك يلاحظ القارئ مودة كبيرة، هل تعيش قصصك؟ أم أنها تكون جاهزة –كما يعبر ماركيز- فى ذهنك ومختمرة فى رأسك؟- سؤالك ملتبس وغامض، وسأجيب عنه كما أفهمه، صحيح أننى كغيرى من كتاب القصة أو الشعر أعيش لحظات شفافة أثناء الكتابة وهناك ما أسميته بالمودة مع الكلمة، أو لنقل مع اللغة، أنا أعشق اللغة العربية، مفرداتها وظلالها وجمالياتها.. أقرأ بالإنجليزية والفرنسية ولكن متعتى الحقيقية هى القراءة بالعربية والكتابة بها.. أحاول فى كتابتى للقصة أن أقدم متعة للقارئ من خلال اختيار المفردة والصورة والفكرة.. أنا لا أميل إلى المحسنات البديعية المعروفة فى لغتنا، وأسعى إلى إنجاز جماليات أخرى لا تعتمد فقط على الجناس أو الكناية أو الاستعارة فقد يأتى الجمال من خلال تجاور كلمتين، أو من خلال استخدام مفردة تحمل أكثر من معنى، إن أسلوبى المفضل يكمن فى استخدام لغة تبدو –ظاهريا- بسيطة ومباشرة، ولكنها –فى العمق- تحيل إلى لغة أخرى وفكرة خفية، وقد يجد القارئ متعة فى استبطان ما هو خفي، إنها لعبة الخفاء والتجلى إن شئت.وفيما يتعلق بالشق الثانى من السؤال، لا أعتقد أن أى كاتب توجد لديه فكرة جاهزة وناجزة، من الصعب معرفة "كيمياء" الكتابة، وأنت شاعر وتفهم ذلك، وما أود قوله هو أن الكاتب تظهر لديه فكرة أثناء قراءة كتاب ما أو من خلال مشاهدة "فلم" سينمائى أو لقطة عابرة فى الحياة اليومية، الفرق هنا بين الكاتب وغيره من الأفراد، إن الكاتب يملك إمكانية تحويل الجملة أو الصورة التى لاحظها إلى عمل فني، فهو يختار من بين عشرات الأفكار والصور، لقطة واحدة يعتقد أنها تمتلك قوة أو طاقة تحول إلى عمل فني، ثم تبدأ عملية اختيار الأسلوب الأمثل لصياغتها، وبعدها يشرع فى الكتابة، وتأتى أخيراً مرحلة التنقيح والحذف والإضافة الخ..وبالمناسبة فإننى أحب "ماركيز" وقرأت معظم ما كتب، وهو لا يقول بوجود الفكرة الجاهزة فى الذهن بل إنه يبدأ الكتابة من خلال صورة يراها ومن ثم تحفزه على الكتابة منطلقا منها، ولعلك تقصد أنه قال أن "مائة عام من العزلة" ظلت فى ذهنه لأكثر من خمسة عشر عاماً، هذا صحيح، ولكنه كان مشغولاً بأعمال أخرى ككتابة سيناريوهات الأفلام كى يعيش من دخلها، وحين سنح له الوقت شرع فى كتابة "مائة عام.."، وإذا قرأت الرواية تشعر أنه بدأ من خلال تصور مدينة "ماكوندو" ولخص من خلالها تجربة أمريكا اللاتينية فى محاربة الفقر والاستبداد من خلال تراكم التجارب التى مرت بها هذه الشعوب وخاصة "كولومبيا".هناك فرق بين وجود فكرة جاهزة مسبقاً وبين التأثر بالواقع اليومى والمعاش ثم التعبير عنه فنياً وأدبياً، وأعتقد أنك تقصد هذا المعنى.الفنّ هو تحويل الوهمِ إلى واقع* هل أجابت قصصك على أسئلتك، بل أسئلة من تعيش معهم؟ أليست الكلمة منجم أسئلة؟ قل كيف تصف للقارئ علاقتك بالحرف، بالكلمة؟- القصة عندى تساؤل، ويعتمد نجاح القصة على نقل هذا التساؤل للقارئ، فإذا جعلته يعيد قراءة نصي، أو إذا جعلته يفكر ويتساءل فور قراءة القصة فإننى أعتبر نفسى ناجحاً قصصياً. وهذا ما أحاوله وأسعى إليه، والذين قرؤوا لى قالوا أننى قد أثرت فيهم فكرة أو تساؤلاً ما.اللعبة الفنية –كما أتصورها- تكمن فى أن أقدم قصة تبدو وكأنها حدثت بالفعل، فى حين أن كل قصصى هى نتاج المخيلة، الفن هو تحويل "الوهم" إلى "واقع". صحيح أنه لا أحد تقريباً ينطلق من لاشيء، إلا أن المعادلة هى كالآتي: واقع معاش أو تجربة حياتية –وهم أو خيال- واقع فني.ما أسعى إليه هو تصعيد لحظة عابرة –يراها العشرات غيرى غير ذات أهمية- إلى صورة جمالية وكأنها حدثت كواقعة حقيقية. وبالمناسبة أقول لك أن الكثيرين من الأصدقاء حين يقرؤون قصصى يقولون لي: أن هذه حكايات حدثت وأنت نقلتها لنا كما هي، فى البداية كنت أغضب أو أحزن ولكن بعد تأمل طويل اكتشفت أننى قد نجحت فى كتابة قصة جيدة، أى وصلت إلى تلك النقطة التى يعتقد معها القارئ أنه يقرأ حادثة حقيقية، أى وقعت بالفعل، فى حين أنها من خيالى ولم تحدث قط، وهذا يعنى أن القارئ اقتنع تماماً بواقعية ما قرأ، أى أنه صدق الوهم الذى رويته له، وإذا طالعت الأعمال الفنية الكبرى "كالأخوة كرامازوف" أو "هاملت" أو "مائة عام من العزلة" أو "العطر" أو "اسمى أحمر"، تكتشف أنك تقرأ عن أماكن وشخصيات وأحداث حقيقية، أو أنها أكثر واقعية من الواقع المعاش، فى حين أن كتاب هذه الأعمال كتبوا من خلال الخيال ونسج الوهم ورواية اللاواقع وسرد اللامرئى وحكى غير المتعين.إنها لعبة تشبه المرايا المتعددة التى توجد فى "السيرك"، حيث ترى صورتك منعكسة فى عشرات المرايا، وكلما أردت الخروج تكتشف أنك اصطدمت بصورتك فتعيد البحث من جديد وقد لا تخرج إلا بصعوبة كما حدث لى فى إحدى المرات، فما تعتقده حقيقياً يتجلى من سراب وهكذا..لايوجد نقاد حقيقيون عندّنا.* هل أنصفك النقد؟ كيف تنظر إلى من ينتقد قصصك سلباً أم إيجاباً؟- إذا كنت تقصد من ينتقدنى فهذا يحيل إلى معنى سلبى بالتأكيد لأن هناك فرق بين النقد والانتقاد. وإذا قصدت النقد أقول لك بصراحة: لقد أنصفنى النقاد العرب، فقد كتب عنى نقد فى مصر والعراق والجزائر وفرنسا، وأذكر على سبيل المثال أن الناقدة العراقية "لطيفة الدليمي" قرأتنى نقدياً وأشادت بأعمالى المبكرة.أقول لك ما قلته فى لقاء سابق لى مع صحيفة مصرية: أن قطار الإبداع الليبى يسير بقوة الطاقة الكهربائية، فى حين أن "النقد" يسير بالطاقة البخارية، عندنا أسماء كبيرة ومهمة قصصياً وشعرياً وروائياً من جيل السبعينات وما بعدها ولكن –وبكل صدق- لا يوجد من حاول قراءتهم نقدياً، من جهتى كتبت نقداً عن هؤلاء المبدعين ولكن نحن نحتاج إلى صحوة من مثقفينا وكتابنا لكى يقرؤوا الأدب الليبى بحب وليس بدافع الحسابات والمحسوبية، وأعتقد أن معظم المبدعين الليبيين يتفقون معى فى هذا الرأي.* من يعجبك من النقاد الليبيين والعرب والغرب.. وما هو الكتاب الذى شحذ ذاكرتك وحمل الماء والشمس إلى موهبتك؟- لا يتعلق الأمر بالإعجاب هنا، النقد عمل جاد، وكتابة حول كتابة وما أصعب الكلام على الكلام كما يقال.. اقرأ مثلا ما كتبه "كارلوس بيكر" عن "همنجواي" أو "جينت" عن "مارسيل بروست".. تشعر أنك أمام نقاد كبار بذلوا جهداً يوازى إن لم يكن أكبر من جهد الكاتب نفسه وأسألك أنا: هل هناك ناقد ليبى واحد فى قامة ومستوى هؤلاء؟.ونتيجة لغياب النقاد المتخصصين فقد لجأ المبدعون أنفسهم إلى مناوشة الكتابة النقدية لشعورهم بعدم وجود نقاد، مثلما فعل "محمد الفقيه صالح" و"مفتاح العماري" و"سالم العبار" وغيرهم كثير فهم بالأساس شعراء وقصاصون.. وأشيد بتجارب نقدية أخرى ومعظمها من الأجيال الحديثة مثل: رامز النويصرى وعبدالحكيم المالكى والفيتورى وحواء القمودى وخليفة حسين مصطفى وآخرين لا تحضرنى أسماؤهم الآن.. إلا أن ليبيا تعانى من فقر حاد من النقاد المتخصصين فى الرواية أو المسرح أو الشعر كما هو الحال فى دول أخرى كمصر أو المغرب أو العراق مثلاً.* إلى أى مدى تأثرت بالشعر؟ ومن من الشعراء مازلت تحب قراءته؟- على الصعيد العربى أحب ولازلت اقرأ الشعر الذى سبق ظهور الإسلام ولا أسميه شعراً جاهلياً، أجد متعة عندما اقرأ معلقة "طرفة بن العبد" أو "عنترة" أو "عمر بن كلثوم" مثلاً، فأجد فيها فخامة الكلمة وجزالة المفردة وجمال التصوير، وقوة السبك، والتساؤلات الوجودية والوجدانية، وزخارف اللفظ، ومتعة الاكتشاف فى كل قراءة لهؤلاء العباقرة، لا أحب "المتنبي"، هو شاعر ولاشك، محترف بمعنى الكلمة، ولكن هل المتنبى هو الذى مدح "كافوراً" ووضعه إلى جانب القمر، أم هو الذى خسفه خسفاً ومسح به الأرض؟ "أبوفراس الحمداني" كان صادقاً مع نفسه، اقرأ "رومياته" حين كان أسيراً عند الروم.فى العصر الحديث أحب كثيراً "السياب" لأنه –بحياته وشعره- اختصر معظم تجارب الشعر والشعراء العرب. حياته مأساة وموته مأساة وشعره يختزل التاريخ الشعرى العربى فى تجاربه المختلفة، أيضاً "أمل دنقل" ومحاولته الجريئة فى توظيف النثر اليومى وعناصر الحكاية فى شعره، على الصعيد الليبى اقرأ للرقيعى وعلى صدقى عبدالقادر والجيلانى طريبشان ومعظم الأصوات الجديدة ومن الصعب أن أسرد قائمة بهم، وعالمياً أحب قراءة "سان جون بيرس" و"كمنجز"، إن الشرط الأساسى –لي- هو التميز، أى أعجب واقرأ لكل شاعر يختلف عن غيره من الشعراء وهؤلاء لا يتكررون إلا بعد عشرات السنين.الثقافة العربيّة فى حالة مخاض* كيف تقيم الفضاء الثقافى العربي؟ وكيف برأيك يمكن تكوين هوية ثقافية متميزة قادرة على إثبات حقنا فى الوجود والحرية والإبداع والحياة؟- لا أعتقد أننى بحجم من يقدر على تقييم أو "تقويم" الفضاء الثقافى العربي، وبكل تواضع أقول لك أن الثقافة العربية فى حالة مخاض، إما أن تسفر عن ولادة حقيقية وإما أن تصاب بإجهاض، وأسباب ذلك أن الثقافة مؤشر على الحياة العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، أى أنها تصعد وتنخفض وفق الشروط التاريخية والجغرافية، قد توجد –تاريخيا- استثناءات كظاهرة "ابن خلدون" مثلا.. إن حقنا فى الوجود والحرية والإبداع والحياة يجب أن نثبته على الصعيد العربى أولاً كى نستطيع فرضه على العالم من بعد ذلك.* ماذا تقرأ هذه الأيام ولمن؟ مَنْ مِنَ الكتابِ يستفزك؟ ما جديدك؟- انتهيت من قراءة رواية "العطر" وأعيد قراءة كتاب أمريكا اللاتينية، رواية وقصة، واقرأ رواية "الحرافيش" لنجيب محفوظ وهى بنظرى أهم أعمال نجيب ولم تنل حقها من النقد.. والكتاب الذين أقرأ مؤلفاتهم دائماً هم كتاب الواقعية السحرية من أمريكا اللاتينية الذين علموا الكتاب الأوروبيين كيف يكتبون الرواية والقصة.جديدي: بصدد كتاب يحتوى مقالاتى النقدية ولدى مجموعة قصصية أخرى وأعد برنامجاً للإذاعة.أشكر لك اهتمامك وأحيى فيك عمق أسئلتك وليكن شعارنا معاً أن أجمل الأيام هى التى لم نعشها بعد، وربما لن نعيشها أبداً.

طرابلس باب على البحر وأبواب على الصحراء



شعـر : عـمر الكدي 
                                                                                             نشر بمجلة ثقافة ليبيا
طرابلس زهرة الصبار
حورية عند البحر تستريح
طرابلس تنهيدة الوداع
ونورس يقبل من بعيد
هل غرسها الفينيقيون هناك
ليستريحوا في ظلها من الحنين والتعب؟
أم أنها كانت هناك منذ الأزل؟
لؤلؤة قذفتها الأمواج
أو درة دحرجتها رمال الجنوب 
طرابلس باب على البحر وأبواب على الصحراء
منحها الرومان اسما يليق بثلاث مدن
وانجبوا بقربها الاباطرة وكبار الفاتحين
تركوا أقواس نصرهم، ومرمر مجدهم
والزيتون والرمان والعنب
منحها العرب لسانهم، ولون جلدتهم إلى الأبد
رفعوا في سماءها القباب والمآذن
نظروا إلى بحرها بريبة
وغادروا إلى حيث صهيل الخيول ورغاء الإبل
الأمريكيون وهم يبحرون نحو تفردهم
تعثروا بعش القراصنة
تركوا خلفهم فيلادلفيا تحترق
وحملوا معهم اسم طرابلس
الذي التصق في نشيد بحريتهم إلى الأبد
لم يترك الأتراك إلا قهوتهم الثقيلة
والطرابيش الغبية
وكرابيج الانكشاريين، وأسواقا مسقوفة
وجوامع بناها باشاوات عابرون
وأشرعة القراصنة تجوب البحر الكبير
وتركوا لذة المحشي، والظولمة، والبراك والبوريك
وحلويات مطعمة بالفستق
وتركوا فينا الطاغية إذا لم يأت نصنعه بأيدينا
وثنا من تمر وزيت
الايطاليون الذين أبادوا نصف شعبنا
أخرجوها عنوة من أسوارها القديمة
فتفتحت مثل وردة في حوض من الدماء
تركوا المشانق يتدلى منها رجال بأسمال بالية
تركوا الشوارع المعبدة
والأروقة الطويلة التي تهجع تحت أقواسها الظلال
وتركوا المعجنات، وحلويات مزينة بالفواكه والقشدة
أضواء المرور، والسينما والمذياع
وكنائس بقرميد أحمر، وكاتدرائيات يهدل فوقها الحمام
سراويل "البوطويل" والقبعات
النظارات الطبية، وأسماء قطع الغيار
قصر بالبو، مبنى البلدية، بنك روما
مبنى رئاسة الوزراء، والحانات
الحصان الأسود، وتمثال الغزالة
وقوارب شراعية تبحر فوق أعمدة من رخام
طرابلس باب على البحر وأبواب على الصحراء
البريطانيون الذين انتزعوها من الفاشيست عنوة
طوقوها بثكنات مثل حدوه حصان
الثكنات التي صارت وكرا للانقلابيين، وعرينا للطغاة
وتركوا أزيز عجلات اللاندروفر يجري خلفها أطفال حفاة
وتركوا جيشا في بدلات كاكية، وبوليسا ببدلة سوداء
وموجهي اللغة الانجليزية، ومستشارين لمملكة قادمة
استقلت بفضل إسهال داهم سفير هايتي
في هيئة الأمم في لحظة الاقتراع
باب على البحر وأبواب على الصحراء
كانت لنا ذات يوم مدينة
بيضاء نظيفة وصغيرة
كنا حين ندخلها
نخلع عند أبوابها نعالنا البدوية
ومثل خفراء مدججين بالريبة نتجول في شوارعها
لاجمين طقوسنا في البصق والتبول
نمضي مثل جثث تسير خوفا من التفسخ
ومنبهرة بطراوة الحياة
لليهود حاراتهم الضيقة
وللغزاة الشوارع الفسيحة المعبدة
ولنا الأرصفة، ودكاكين أبوابها نصف مشرعة
نشرب من حنفيات الحكومة ونستحم في بيوت الله
ونمضي إلى السينما حيث تعلمنا كلمات الغزل
وكيف نقبل النساء وأعيننا مغمضة
غير أن للبدو عنادا لا يرى مثل ظلام يدوس على الحقول
لذلك اخترقناها من عيوبها القديمة الجيش والبوليس
طرابلس باب على البحر وأبواب على الصحراء
طرابلس ليست لنا
منذ أن وصلها بيترو دي نفارو
متعقبا الأندلسيين الهاربين
من عرب وأمازيغ ويهود
انكفأ البدو إلى صحرائهم
وأعتصم الجبليون بجبالهم
وحتى عندما انتزعها الأتراك عنوة
لم تعد طرابلس لنا
تحولت قلعتها الحمراء إلى مأوى لباشاوات متغطرسين
من أبوابها تخرج جيوش الانكشاريين
لتنتزع منا قوت عامنا، وتشنق المعدمين
ومن نفس الأبواب ندخل على صهوات جيادنا
لنرد عنها الغزاة والقراصنة
بيننا وبين طرابلس جرح نرجسي
نحبها ونكرهها من بعيد
مثل معشوقة استسلمت إلى الغرباء
لذلك حكمها الصقلي جورج ميخائيل
وأسبان، وفرسان القديس يوحنا
وأتراك لا يجيدون غير التركية
وحكمها طابور من الأعلاج لمجرد أنهم أسلموا
وحكمها قهوجي من أزمير
وشاويش أمي
ورجل من البندقية يدعى يلك محمود
وحكمها تارزي، وشائب العين
وحكمها علي برغل بفرمان مزور
وأيضا حكمها ولد الجن
ومن أجلها قتل يوسف باشا شقيقه وهو في حضن أمهما
ومن مخدعه حكمتها الملكة استير
وحكمها جنرالات ايطاليا من قصر بالبو
ومن نفس القصر حكمها حفيد مهاجر جزائري
وأخيرا حكمها ملازم في سلاح المخابرة
وبعد أن رقى نفسه دفعة واحدة إلى رتبة عقيد
وقف أمام أهلها في ميدان الشهداء
وقال : إلى الخلف قليلا
فتحولت من أنظف مدن العالم إلى مكب للنفايات
طرابلس باب على البحر وأبواب على الصحراء
دخلتها في الثالثة من عمري
ورأيتها لأول مرة من فوق كتف أبي
لابد أننا دخلناها في الربيع
كانت الأشجار مزهرة
تغرد فوقها آلاف الطيور
وخرير المياه لا يتوقف أبدا من حنفيات الشوارع
مررنا تحت أقواس مهيبة وعالية
ولأول مرة أرى القرميد الأحمر والشرفات وأمام المستشفى المركزي رأيت الموز والتفاح والكمثرى
ورأيت الخبز يخرج من المخابز ذهبيا شهيا وساخنا
ومنذ أن رأيت الخيول تقف في الإشارة الحمراء
نسيت قريتي البعيدة والتصقت بشارعي الجديد
طرابلس باب على البحر وأبواب على الصحراء
في الأربعين من عمري، وأنا في طريقي إلى منفاي
قررت أن أودعها، وقد تحولت عروسي الأثيرة إلى عجوز شمطاء
كيف تهضمين يا طرابلس كل هؤلاء البدو؟
دون أن تصابي بالإمساك
أشفق عليك من رغاء الإبل والقبلي والأشواك
نظرت إلى بحرك الأزرق
وتذكرت البيوت التي سكنتها
والعتبات التي تخطيتها
غرف الفنادق، وزوايا مقاهي المفضلة
المدارس والمطاعم والمكاتب والمكتبات
رفاق عمري، ونساءك المستحيلات
شارع الزاوية، مدرسة الفنون والصنائع
باب بن غشير، غرفة مجاهد
مربوعة نصري، مسرح الكشاف
طريق السور، الشيخة راضية
مطعم البرعي، أجنحة الشاطئ
وشرفة رابطة الأدباء والكتاب
ماذا سأنتقي منك يا طرابلس وبيوتك لا تزال بلا أرقام؟
سوق الحوت، والجمعة، والثلاثاء
بائعي ورق البوريك ،ورشدة الكسكاس
محطة التاكسيات، شارع الرشيد
مقهى مصطفى الايطالي عند الفجر
مطعم الشجرة، سوق المشير
الحواجز الأمنية، مشانق الجامعة
ومكبات النفايات
أعبر الآن ساحة مطلية باللون الأخضر
تبول فيها سكير فسجن خمسة أعوام
مارا بنفس المكان الذي استلم فيه موسوليني مفتاح المدينة
وسيف الإسلام
بالقرب من نفس المكان الذي كان يقف فيه
الإمبراطور سبتيموس سفيروس
وقد اختفى إلى الأبد مبنى رئاسة الوزراء
تطالعني خيول حجرية من نافورة ميدان الشهداء
أدخل سوق الترك من نفس المكان
الذي مر به يوسف باشا وهو ضرير
تقوده ما تبقى من نساءه الخلاسيات
ألمح من بعيد رجالا يسكبون القصدير
في أواني من نحاس
رغم الطرقات المحمومة، وصراخ الباعة
أشعر أن الجميع في حالة انتظار
كل الساعات المعروضة للبيع لا تتحرك عقاربها
وكذلك ساعة مصرف الأمة
ومعاصم المارة خالية من الساعات
عند جامع أحمد باشا تنشقت المدينة دفعة واحدة
ومسحت دمعة واحدة، وقبل أن أخرج إلى المنفى
تأملت برج الساعة راجيا أن تدور عقاربها من جديد
طرابلس باب على البحر وأبواب على الصحراء