الأحد، 30 أكتوبر 2022

قامات مضيئة عبر “أثير”: علي صدقي عبد القادر؛ شاعر الوردة السبت , 29 أكتوبر 2022

 




قامات مضيئة عبر “أثير”: علي صدقي عبد القادر؛ شاعر الوردة



Read more: https://www.atheer.om/archives/604839/%d9%82%d8%a7%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b6%d9%8a%d8%a6%d8%a9-%d8%b9%d8%a8%d8%b1-%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%b5%d8%af%d9%82%d9%8a-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7/#ixzz7jEdW4uqC

ثير- مكتب أثير في تونس
إعداد : محمد الهادي الجزيري

أستعين دائما بصديق ..وها إنّي لإتمام هذه المهمة ..لجأت إلى الشاعر الليبي خالد درويش ، فعدت فرحا بما منحني ، عدت بكتابه ” سيرة الوردة ” الطافح بشخصية الشاعر الكبير الراحل منذ أكثر من عشر سنوات : الملقّب بشاعر الوردة ..عاشق ليبيا وفاطمة ..علي صدقي عبد القادر ..، وسأحاول أن أقتطع من الكتاب أهمّ المراحل والمواقف التي مرّ بها والآراء التي قيلت فيه ..إضافة طبعا تأريخ أهمّ المحطات التي عرفتها حياته المليئة بالحب والشعر والحياة في أبهى تجلّياتها ……..


وُلد شاعر الشباب في السادس من شهر نوفمبر 1924م ، وتوفي في 1 سبتمبر 2008، في مستشفى بمدينة طرابلس قبل أيام قليلة من نقله إلى إيطاليا لتلقي العلاج ، وكان قد تحصّل على دبلوم معلّمين وليسانس محاماة ، وأهدى حياته كلّها للقصيدة ..وأصدر عديد الكتب من ضمنها : أحلام وثورة سنة 1957 مرورا بصرخة ، ثمّ زغاريد ومطر بالفجر ، إلى الكلمة لها عينان ، وقد أصدر سنة 1985 المجموعة الشعرية الكاملة ، إضافة إلى أنّ له كتب كثيرة أخرى مثل : دماء تحت النخيل وهي مسرحية شعرية ، وحفنة من قوس قزح وهي عبارة عن كتابات أدبية ..دون أن ننسى ما نشر عنه بعد وفاته وخاصة كتاب : سيرة الوردة الذي مسح كلّ حياته الذاتية والشعرية بين دفّتيه ..
وأوّل مقطع من شعره سيكون لأشهر قصيدة كتبها وهي ” بلد الطيوب ” يقول فيها :
” بلدي وما بلدي سوى حقق الطيوب
ومواقع الإقدام للشمس اللعوب
أيام كانت طفلة الدنيا الطروب
فالحب والأشعار في بلدي دروب
والياسمين يكاد من ولهٍ يذوب ، ولا يتوب
الناس في بلدي يحيكون النهار
حباً مناديلاً وشباكاً لدار
والفلُّ يروي كل ألعاب الصغار
فتعالَ واسمع قصة للانتصار .. للشعب
للأرض التي تلد الفخار تلد النهار
الليل في بلدي تواشيح غناء
وقباب قريتنا حكايات الإباء
وبيوتنا الأقراط في أذن السماء
بلدي ملاعب أنجم تأتي المساء
لتقول هذي ليبيا بلد الضياء
كرم وفاء ”


علاقته بأمّه كانت حاسمة لتحديد صلته بالعالم ..، لذا أسغب كلّ عاطفته نحو الكائن الذي أحبّه بكلّ ما أوتي من جهد وإيمان وعشق وشعر..ألا هو : المرأة ..، فقد كان حليفها ونصيرها وحبيبها في كلّ وقت ..، يقول علي صدقي عبد القادر :
” إنّني لا أستطيع أن أنام قبل أن أتأكد أنّ صورة أمّي فوق سريري ، إننّي لا أستطيع أن أحلم إلا إذا كان منديل فاطمة الذي أهدته لي ونقشت عليه حرف (ف) وحرف (ع) إلا إذا كان هذا المنديل تحت وسادتي ..
إذن فلولا المرأة لفقدت الأشياء جماليتها ، فهي رمز العذرية والحب وكما أن الأشياء
الجميلة كلّها مؤنثة فالشمس مؤنثة والحياة مؤنثة ”

كان جاري ..إذ أنّ ليبيا نافذة تونس على الشرق ..لكنّنا لم نلتق إلا في طريق وعرة ومخيفة أيام كنّا نحجّ إلى بغداد ..السنوات الأخيرة من الألفية الفائتة ..، عرفته في الحافلة المخصصة لنقلنا إلى عاصمة الثقافة العربية ..بغداد الأسيرة المحاصرة آنذاك ..، كان صامتا متواضعا ..وكانت الوردة ملاصقة لصدره ..مزدانة بوهجه الأخاذ ..مثلما حُكيَ لي عليه ..، ولم يرتفع صوته إلا حين اقتربنا من بغداد ( صاح مهللا ..يا مرحبا بسيدة الشعر ) وأذكر كذلك رحلتنا مع رفاق الكلمة إلى مدينة زلّة داخل الصحراء الليبية ..، لقد كان رفيق سفر ممتاز ..قليل الكلام كثير الهدوء ..محبّا للحياة ….
” من العالم الحرّ سدّ الأفق
بأجنحة من غسق
بها يختنقْ
ومن يومها حزنت نخلة.
أبي قد سقاها بعينيه ، عند آذان الصباح
يباركها ، وهو ماض إلى المسجد
مع الله في موعد
ومن يومها لم تهبنا فصوص الشرّ
ولم تعط حتّى الظلال ، ظلال الشجرْ
لئلا يذوق الجراد ، رحيق النخيل
ولا يتقي بالظلال الهجير
لتبقى حزينة
وفي حزنها كبرياء النخيل “نمرّ إلى الشهادات الكثيرة في حقّه ..، وأوّلها شهادة رامز رمضان النويصري الذي رأى في الفقيد أنّه آب إلى ملجئه الأخير ..:
” وعاد الشاعر إلى حضن معشوقته ، إلى الأرض التي طالما تغنّى بها ، وباهى بها بلاد العالم ، وراهن على ملحها وياسمينها وفلها ، ونسائها اللواتي علّمنه كيف يبتسم كلّ صباح ، وهو يقبّل فنجان قهوته ، عاد الشاعر لينتشر في خضرة النباتات ، وألوان الزهور ، وغناء العصافير ، يتسرّب إلى الماء فينضح الشجر قصائد وأشعارا ، عاد الشاعر ليبدأ حكاية جدية ، فصلا جديدا ، حبّا جديدا ، عاد ليبدأ من جديد ..”


قدّم الشاعر المبدع مفتاح العماري شهادة في قامتنا التي نحتفي اليوم بها ، عنوان : بلد الطيوب ، ومما ما كتبه فيها :
” الاسم الحركي للوردة ، السريالي الأخير ، شاعر الشباب ، جاك بريفر العرب ، شاعر الحبّ ، هذا هو حارس الألفة المحامي ( علي صدقي عبد القادر ) بأسماء وصفات وعلامات تشير إلى كائن واحد ، هو رحّالة مخيلة وجوّاب سرّ ومكتشف كنوز وقارات وأوطان وعواصم بعناوين متعددة وأوصاف ستظلّ طويلا حية ونشيطة وموقظة أحيانا لقصيدة محيّرة ومقلقة ..”


ترجمت قصائده إلى أكثر من لغة خاصة الايطالية وساهم في إثراء المشهد الليبي والعربي بنشاطه الاستثنائي ..وبرغبته المتجاوزة للجسد وقيوده الكثيرة ..، تغمده الله بواسع رحمته وذكره الشعراء والغاوون بكلّ خير وحب …
ممّا قاله شاعر الوردة :
” القصيدة ليست مجموعة من الكلمات والحروف
ولكنّها تعني كائنا حيّا
قد يكون أحيانا طائرا
وقد يكون ظلّي
وفي أحيان أخرى
قهوة أشربها في الصباح ”



زقزقة الغراب لخالد درويش .. نص النخبة بلا منازع

 



 

 

زقزقة الغراب لخالد درويش .. نص النخبة بلا منازع

 

حليمة الصادق/ ليبيا

 

 

(( وتفتح نوافذ الغرفة المظلمة  في أعماق النفس البشرية ؟!

فمن ذاك يستطيع أن يرفع عينيه بعد أن تخلخلت بوصلة الروح ، واضطربت الإبرة  تشير إلى لا إتجاه  )) . 1

 

  زقزقة الغراب حرّكت براكين الحبر ، فانفجر القلم بفلسفة النص المعلن المضمر ..

زقزقة درويش  اشعلت ثورة الحرف والمعنى ، للبدء ، للا نهائي ، للأزرق المجبول ، واللازوردي  المتأله  على منبر الماوراء ، وغي الحكايا لأمرأة لا تحمل صفة ، ورجل لا يحمل عنوان .

غراب البين  قرب الألف ميل ، وصار المشتت المتوزع من بدء التكوين  قرية واحدة تضم الأول والآخر ، ولأن بعض (( الديانات التي احترمت علم الغراب)) 2 وقفنا في شرفة النص نتطلع عن قرب ، نلامسه ، نتحسسه ، ليهمس معلنا أنه نص النخبة المحمل بلغة ( أشهد) ..

 لغة المهد واللحد .

  زقزقة  مشبعة بالحلم بالمدائن ، راصدة للحالة بكل كوامنها وخفاياها  بكل جزئياتها وتفاصيلها مترقبة ، متعقبة للأثر ، أخاذة ، آخذة من كل وجه لمحة وملمح ، فتتفق الكلمات رغم تنافر الوجهين  وتتوافق الأعين والمسامع على مشهدية جديدة حاضرة مستحضرة ما أمكن وما لايمكن ، إنه البحث في جبة التاريخ ، وتاريخ في  كف شاعر ، رحلة ممعنة في الغياب ، وغياب متابس بالحضور في قمة الازدهار وقمة انحطاط الآه .... من هولاكو وحتى  أبوغريب وصف لما لايُرى  ، وخطف لما هو واقع ، حيث استحال الحبر دما ، والدم واحة للسؤال .

زقزقة الغراب .. باقة فاقت التصور والتوقع ، جديرة بالقراءة ، ثم القراءة لكي تُعرف ، هي باب لعرش الحرف ، نصوص مثقلة بالنحن ، بالبدء حتى سدرة المنتهى ، هي كل ما هو كائن وما سيكون ،، من جاهلية الفضح إلى دين الستر ،، حرف حري به أن يعلن عن ذاته ،  حرٌ محرر من رتق أبي جهل ، لن توقفه أسراب الهلاك في بعقوبة ولا ( أورشليم) ...! ؟ ولا بويب الذي يحصي العابرين .. بل لا .. من حيث جادك الموصل بوجه اندلس الأول النازفة بخوف المورسكيين ، النازحة إلى حيث تقطن المخطوطات .

تختفي الجدران ، فكل المراحل وجه واحد ، وجد وموت ، موت وبعث ، بعث وعبث بكل القوانين ، ما عاد للورق طنين .

غراب  ينشد قصيدة الفراغ المعبأة بالطين ، الطين المتلفع بالعمائم ، العمائم التي نامت على هيكل من صديد .

زقزقة الغراب  هو نص مكثف مشبع بالتراث ، أينما أولي بصري ينفتح ألف باب من وراء الحرف المحمل بنا .. بهم .. بالهم الآدمي ، وما بعد .. فكل مقطع يحملك لمشهد مستقل ،، بانوراما  التكوين تحمل المتفق والمختلف ، مزج ما بين السيميائية الشاملة لكل العناصر المؤسسة لهيكلية النص .. البناء الجديد ، الحاملة لهويتها المتأصلة بفكرها ، بسردها الحداثوي ، المتميز بعمق الفكرة ، في عرض لغوي محمّل يفوق اللامعقول والتصور مما يجعل المتلقي في ديمومة الدهشة والقارئ العادي في مهب الحيرة لعدم إلمامه بمرامي النص ، وهذا يؤدي إلى اللاوصول  في بعض الأحيان إلا من خلال العودة والبحث في قواميس اللغة عن معاني بعض المفردات .

 هذه الزقزقة هي إشارات وإيحاءات ، شملت جُل الثقافات والحضارات القديمة والحديثة من خلال التلميح والتوظيف الرائع والاسقاطات الموفقة من أول مرحلة إلى آخره .

أعود وأؤكد بأنه نص للنخبة التي لا يحرك كوامنها إلا النص العميق الذي يغور في جرح الحياة لأجل الحياة ، فيجعلنا ننتشي ، ونستشرف عوالم خبيئة ، لم تتعر أمامنا من قبل بشكل يثير القلم للولوج في عالم النقائض .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* زقزقة الغراب فوق رأس الحسين للشاعر الليبي خالد درويش الطبعة الأولى / دار الأوائل سوريا 2004

1 ـ زقزقة الغراب ص 41

2 ـ زقزقة الغراب ص 39