مرت ثلاثة أعوام على تلك الليلة المأساوية التي انشقت فيها سدود الوادي، وجرفت السيول معها قطعًا من قلوب سكان درنة. في هذه الذكرى الثالثة لكارثة العاصفة «دانيال» المدمرة، التي ضربت المدينة في 10 سبتمبر 2023، وخلّفت آلاف الضحايا ودمارًا طال نحو ثلث بنيتها التحتية ومبانيها، زارت «الوسط» مدينة درنة والتقت عددًا من سكانها.
في هذا التقرير، ترصد «الوسط» مشاعر الأهالي الذين تحدثوا بمرارة وأمل كيف يعيشون تفاصيل الفاجعة المستمرة التي غيرت ملامح حياتهم ومدينتهم إلى الأبد، مستذكرين ليلة انهيار السدّين وفقدان عائلات وجيران بأكملهم جرفهم الفيضان نحو البحر.
يقول الشيخ مجدي بوليفة: «بقدر الألم على من فقدنا، وبالرغم من هول الكارثة، إلا أن فزعة الليبيين من كل مناطق البلاد كانت تجسيدًا حيًا وامتثالًا واقعيًا لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان الليبيون بها كالجسد الواحد، وذلك عندما تداعوا رجالًا وركبانًا من كل مدن ومناطق ليبيا شرقًا وغربًا وجنوبًا لأهلهم في درنة، مواسينهم بكل ما استطاعوا، باذلين لهم كل ما أوتوا»، مضيفًا: «بعد 3 سنوات من ذكرى كارثة دانيال، لا يزال هناك ألم فقد من فقدنا من أقارب وجيران وأصحاب، وغيرهم من أبناء مدينتنا شيبًا وشبابًا، رجالًا ونساءً وأطفالًا، بالإضافة إلى الجانب المادي، حيث خسرت درنة أهم معالمها، متمثلة في المدينة القديمة بجميع معالمها، وواديها وشلاله».
بوليفة أشاد «بأداء فرق الطوارئ والإسعاف والخدمات خلال أيام الكارثة، وخاصة القوات المسلحة الليبية، رغم قلة الإمكانات، إلا أنهم قد أدوا واجبهم تجاه المدينة وأهلها على أكمل وجه وأتمه منذ اليوم الأول للكارثة».
في المقابل، يؤكد مجدي بوليفة أن «الآثار النفسية لكارثة دانيال من الصعب جدًا تجاوزها خلال ثلاث سنين، ولا بعد أضعاف أضعافها سنين عددًا، مع سؤالنا الله تعالى أن يعيننا على ذلكم في خير وعافية، فإنه نعم المولى ونعم المعين، وهو على كل شيء قدير».
أما زكريا المحجوب فيرى أنه «بقي كل شيء متعلقًا بذكريات الأهل والأصحاب والجيران ومعالم المدينة، وبالأخص المسجد العتيق والبياصة الحمراء وسوق الظلام والكنيسة وبيت درنة الثقافي ووكالة الخرازة وغيرها من المعالم».
يقول: «من الناحية النفسية لم نتجاوز بعد آثار كارثة دانيال، فالحدث لم يكن هينًا، والأمر يتطلب عدة أعوام يكون فيها العمل على التأهيل النفسي للمجتمع الدرناوي والعمل على إعادة المعالم للمدينة»، لافتًا إلى أن فزعة الليبيين من كل مدن ومناطق البلاد «كانت لحمة رائعة أكدت على أواصر الأخوة بين الليبيين، وأن كل ما مر بالبلاد من نزاعات غير قادر على فك النسيج الليبي».
تضيف: «خسرت المدينة معالم تاريخية واجتماعية بارزة، على رأسها سوق الظلام القديم، والمسجد العتيق، بالإضافة إلى الطابع المعماري المميز لوسط البلاد، وبناء روضة صحابة رسول الله، والذي أود أن يكون، على أقل تقدير، حائطًا عليه أسماء صحابة رسول الله؛ لأنه معلم تاريخي، وكل العالم حال دخول المدينة يسأل عن هذا المقام، والذي يجمع 77 صحابيًا»
وأثنت على «أداء القوات المسلحة الليبية وفرق الطوارئ المحلية والدولية، الذي كان استثنائيًا وجبارًا في الساعات الأولى للكارثة وخلال الأسابيع التي تلتها. لقد واجهوا ظروفًا جغرافية ولوجستية معقدة جدًا، وقدموا تضحيات كبيرة في عمليات انتشال الضحايا، وتأمين المدينة، وإيصال المساعدات، وتنظيم حركة السير وفتح الطرق المقفلة. دورهم فعال في تلك المرحلة الصعبة، ونشكرهم على جبر الضرر، وكل من ساهم من كل المدن الليبية ومن أنحاء العالم قدموا عطاءات مادية وصحية وإسعاف، وأجمل عطاء كان ذاك الجرد الليبي الذي أعطاه الحاج بورويلة وبث الود والدفء لأهالينا».
واعتبرت الطشاني أن «فزعة الليبيين كانت النقطة المضيئة وسط الظلام؛ حيث تجسدت فيها أسمى معاني الوحدة الوطنية، فنتذكر قوافل الإغاثة الإنسانية والشباب والمتطوعين الذين توافدوا من الشرق والغرب والجنوب دون تردد، متناسين أي خلافات، ليتشاطروا اللقمة والمأوى ويساهموا في عمليات الإنقاذ، ما أثبت أن اللحمة الوطنية أقوى من أي ظرف».
وحول إعادة الإعمار، قالت الطشاني: «مرحلة الإعمار بقيادة المهندس بلقاسم حفتر حققت خطوات ملموسة وواضحة على صعيد البنية التحتية، ونرجو فقط المراقبة الدقيقة على المشاريع وصيانة الطرق، كما [شهدت] مجهودات عظيمة، منها بناء الجسور الجديدة، وإعادة تأهيل وتدشين الوحدات السكنية والمرافق العامة، وتوفير ترفيه للأطفال كالملاهي والنوادي والحدائق، كما نرجو منهم إعادة النظر في المباني الآيلة للسقوط وسط المدينة».
وطالبت «بأن تكون استراتيجية درنة في شوارعها وأزقتها محافظة عليها، لأنها لا تتحمل طرقًا واسعة، وإلا ستضيع معظم الأملاك، ونشكر جهود الإعمار ونثمنها، إلا أنني تمنيت أن لا يكون جسر الصحابة بهذا الارتفاع، كما نرجو إعادة بنايات المدينة القديمة لطالما التراب لا يزال شاهدًا على الأثر».
ورأت أنوار الطشاني أن مدينة درنة، على الصعيد المادي، قطعت شوطًا كبيرًا في تجاوز آثار كارثة دانيال بفضل حركة الإعمار المستمرة وإعادة المظاهر الطبيعية للحياة اليومية، وتوزيع الشقق على المواطنين، أما على الصعيد النفسي، فقالت إن «الأمر يحتاج إلى مدى زمني أطول».
يقول: «بصراحة، مرحلة الإعمار مفصلية في درنة بعد دانيال، فعلوا الكثير، ولا زلنا ننتظر الكثير بخصوص معالم المدينة، مثل الجامع الكبير الشهير بالعتيق وسوق الظلام والبياصة الحمراء وفندق الجبل التاريخي».
يضيف الديباني: «رغم الكارثة وما خلفته من مأساة وجروح عميقة في ذاكرتنا، إلا أن فزعة الليبيين من كل مناطق البلاد تمثل الحدث الوطني الأبرز في هذه الكارثة. فعلى المستوى الشخصي لن أنسى مبادرة (#جبر_الخواطر)، وهم فريق من متطوعي المنطقة الغربية والجنوبية، شباب فزاعين، جونا ونظفوا معنا الحواشين وصينوا المقاعد الدراسية والمدارس بكل ما يملكوا من جهد ومعنويات مرتفعة لدعم عودة درنة إلى منازلهم ودراستهم وأعمالهم».
كما يشيد الديباني بأداء «القيادة العامة» وفرق الطوارئ خلال الكارثة وبعدها، قائلًا: «المشير خليفة حفتر جاءنا وعزانا وواسانا في مصابنا، فرأينا كيف فزعت وحدات الجيش من أول اللحظات وسخرت كل الإمكانيات لإنقاذ وانتشال وإغاثة أهل درنة».
شهادات من درنة.. «الوسط» تلامس مشاعر الأهالي في الذكرى الثالثة لكارثة «دانيال»






