الجمعة، 4 يوليو 2014

جيلاني طريبشان "الشاعر الإنسان"






أ.د. الصيد أبو ديب 
نشر بالشمس الثقافي

متعددة هي الجوانب الموضوعية في شعر " الجيلاني طريبشان " الذي أودعه ديوانيه " رؤية في ممر عام 1974 " الصادر عام 1978 و" ابتهال إلى السيدة ن " الصادر عام 1999 . وتمثله قصائده المنشورة في عدد من الصحف والمجلات الليبية والتي لم تجمع بعد ، من ذلك تناوله قضية مهمة وعامة هي قضية الأدب والحياة التي تعد من أبرز قضايا الثقافة والفكر التي عرفها القرن العشرين . 
فالشاعر جيلاني طريبشان لم يكن بمستطاع أن يهرب بشعره من واقعه بكل أبعاده ، وإنما عبّر بالكلمة المسؤولة عن مظاهر التحامه بالحياة في عمقها رغم قسوتها عليه ، ولم يخلع عنه ثوبها الذي كان يكتم أنفاسه ـ تاركاً للأعياء يصولون ويجولون ويعبثون فيها فساداً ..
 أتيتك من عذاب الفقر 
كان البحر أسود 
والنسمات ماتت في عيون الطير والأطفال والسفن الشتائية 
رأيت الحب مذبوحاً على الإسفلت 
وما خفت طيور البحر تستر عورة الميت 
لقد سخّر الشاعر جيلاني طريبشان شعره للإنسان مؤمناً به وهو يعانق الحرية ويموت من أجلها ، متطلعاً أن يتنفس في أجواء الفجر الندية ونسائمه الصافية .. 
يحلم المتعبون بالماء والعشب 
يجرون إلى ضفة النهر 
يبنون أكواخهم 
من الأحلام التي طاردتها الفصول 
غير أن الفلول 
أنهكتها المجاعة .. غرقت 
ما عاد يجديها صبر أيوب 
ولا قوارب نوح 
ذبلت عيون أطفالها 
صارت تبنش الصخر 
فخاضت أقدامها في الوحول 
لقد أدرك الشاعر جيلاني طريبشان مبكراً جداً أن الحياة الإنسانية مليئة بالآلام والأحزان ، وعلى شاعر أن يحاور هذه الحقيقة لغاية إنسانية وإن لم يفعل ذاك فلا خير فيه وفي شعره .. 
ويحك يا حرفي الأعزل في الساحة ها أنت محاصر 
درعك ورق وجوادك يكبو مكسوراً 
الباء .. بانت في قلبي جراح الحزن الأولى 
إن القارئ لديواني الشاعر الجيلاني طريبشان ، سيقف أمام مثال حيّ للشاعر الإنسان ويتأكد له صحة القول الذي يرى أن " الأصل في الشعر أن يخلق من الإنسان أسطورة ... فالعمل الإنساني الذي تسيطر عليه الحاجة وتوجهه المنفعة ليس في أحد معانيه سوى وسيلة، فهو يمضى غير مدرك في نفسه " 
ملأى أكواب السادة 
أما نحن الفقراء " السوقة " 
لازلنا نغرق في العادة 
تأسرنا الرتب المرموقة 
لقد كان شعر جيلاني طريبشان استجابة واضحة للحياد والإنسان وتطلعاً واعداً لغدهما المشرق بهما رسم صوراً وغايات نبيلة شكلها من ذوب قلبه ورقيق مشاعره ، ومن أجلهما سخّر قلمه وإذا كان " المرء في صلته بعالمه ، تستليه الغايات ، والشعر بعكس هذه الصلة .. كما يقول سارتر – فإن الشاعر جيلاني طريبشان كذلك ، فقد عكس صلته بعالمه والناس والحياة ، مؤكداً بهذه الصلة أن " الغاية من الشيء هي إحالة الإنسان إلى ذاته لذلك كانت ذاته تطل علينا في قصائده محققاً " محاولة إنسانية ذات وجهين : نجاح وإخفاق في وقت معاً " . 
يزدهر الصّبار في غد ، وتنضج الحقول 
جيشاً من الحفاة والمقاتلين 
سترفع الخيل هنا هاماتنا 
فهذه الأرض غدت ملكاً لنا 
لقد اختار الشاعر الجيلاني طريبشان الشعر دون غيره من أنواع الكتابة وأجناس الأدب لأنه أقرب إلى طبيعة مشاعره الرقيقة وأحاسيسه الناعمة الشفافة ورؤاه الحالمة .. 
ولنا وطن ـ حين نبغي نفجره في قصيدة 
ولنا الله والطفل والحجر 
ولنا "رغم كل الظروف " سهوب المنافي البعيدة 
تاركين لكم كل شيء 
على أية حال إذا كان الأدب والفن في نظر البعض وسيلة من وسائل الهروب من الواقع ، فالأمر عند الشاعر جيلاني طريبشان أبعد من ذلك بكثير فبالشعر احتضن الحياة وعانق الواقع بكل متناقضاته ،حلوه ومره ، أفراحه وأتراحه ، نجاحاته وإخفاقاته ، ها هو يعنون إحدى قصائده بـ " كلمات الحزن والفرح " فيقول : 
في جنح الليل المجنون الأسود 
تصمت كل الأصوات الناعية القذرة 
تسقط كل الرايات المرفوعة عنوة 
يتبلسم جرح صديان عبر الصمت 
تتحقق أحلام اليقظة 
تبزغ في المحاق القلب الميت فجأة 
تبزغ كلمة .. مرحى يا صاحبة المجد ، مولاتي الكلمة 
لقد كان شعر جيلاني طريبشان بحق شعر حياة لا شعر كلمات جوفاء . 

جيلاني طريبشان شاعرُ التفاصيل الصغيرة





بقلم / عبدالباسط أبوبكر محمد
نشر بالشمس الثقافي

هل كنت حقاً أنا 
ذلك المارد المتدفق بالأمنيات 
أيها الشعر الآن :
كيف تخبو الأماني الصغيرات
هل ذبلت زهرة القلب 
أيها الشعر : 
آه .. لو جئتني قبل هذا السكون 
حين كان القميص مشجر ..
بهذا الحس المتفجر بالعذوبة يمكن رصد خطى تجربة بدأت بقلق جميل تشق طريقها بهدوء هامس.
يُعدُ ( جيلاني طريبشان ) أحد الشعراء الليبيين  الذين برزوا بداية السبعينات ، مسكوناً بحساسية خاصة تحاول بعث روح جديدة في القصيدة الليبية ، ربما كان إعلاء قيمة الذات شعرياً نقطة مهمة يتوقفُ المرء عندها كثيراً في قصيدة ( جيلاني طريبشان ) 

أولاً : الشاعر :(1)
- شاعر وكاتب ليبي. 
- ولد ببلدة الرجبان في 1944، وهي أحد بلدات الجبل الغربي بليبيا، وتبعد الرجبان عن طرابلس حوالي 160 كلم.
-  يحمل إجازة التدريس الخاص (فنون جميلة) 1965.
- نشر محاولاته الشعرية الأولى عام 1963 بصحيفة الأيام.
-عمل محرراً بصحيفة الأسبوع الثقافي بين 1972، 1979 ثم خلال
الأعوام 1978-1988.
- تنقل بين لندن، بغداد، دبلن، برلين، الدار البيضاء، ثم عمل بالمركز الثقافي الرجبان.
- يكتب الشعر والمقالة وله اهتمامات بالفنون التشكيلية حيث كانت له بعض التخطيطات. 
- وكان قبل وفاته، يكتب زاوية أسبوعية ( الأربعاء من كل أسبوع ) ضمن الملف الثقافي للصحيفة بعنوان ( تحت المظلة ).   
- توفي  ببلدته الرجبان في 02/07/2001.
- إصداراته :
1- ديوان ( رؤيا ممر عام 1974 ) / منشورات الدار العربية للكتاب / عام 1974.
2- ابتهال إلى السيدة ( ن ) / منشورات الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع
والإعلان/ عام 1999.

ثانياً : مسار التجربة : 
وسنتوقف هنا عند الدواوين التي صدرت للشاعر محاولين الوقوف عند عدة نقاط مهمة في تجربته الشعرية :

أولاً : الشاعر بدأ الكتابة في فترة تعد على كافة المستويات فترة صعود التيار القومي العربي ، وكذلك فترة انكساره في النكسة ، لكن الشاعر هنا يصعد صوتها الخاص وسط هذه الهتاف الكبير ونهوض الشعارات الكبيرة.
ثانياً : الشاعر يقف على أعتاب تجربة التجديد العربية التي لا يبتعد كثيراً عنها ، بل يواكبها ويحاول أن يستفيد من المنجزات التي وصلت إليها تجربة الشعر العربي الحديث.

ويلخصُ الشاعر ( محمد الفقيه صالح ) رأيه في تجربة الشاعر ( جيلاني طريبشان ) بقوله ( في تلك السنوات المشحونة بفتوة الأحلام والتطلعات بدأ لنا جيلاني ... شاعر التحول الكبير في الشعر الليبي المعاصر من قصيدة القضية والصوت الأحادي والعالي النبرة في المدرسة التقليدية الحديثة وبدايات الشعر الحديث " أو الحر" في آن معاً إلى قصيدة الفرد بصوته الشخصي وذاته النافرة المتأزمة المنجرحة التواقة للتحقيق.)(2)

تجربة ( الجيلاني ) حسب قول ( محمد الفقيه صالح ) إنه شاعر التحول الكبير عندما يراهن شاعر في مرحلته على صوته الشاعر 
ظل ( طريبشان ) جزئية عصية على الفهم في تجربة الشعر الليبي ، فعلى الرغم أن الشاعر يكتب في فترة مليئة بهواجس الجموع وأحلام القومية العربية وانسحاق أحلام الفرد البسيط في مقابل نهوض المشاريع الكبيرة التي  تأتي في أغلبها على حساب الذات الشاعرة البسيطة.
إلا أن صوت الشاعر المفرد كان الأغلب في تجربته الشعرية ، محدداً مساراً مستقيماً لم ينحرف عنه قيد أنملة.
بينما يلخص الشاعر ( مفتاح العماري ) بقوله ( أسماء كثيرة برزت خلال عشرية السبعينات ، القلة فقط هي التي صمت نصوصها متحررةً من أوبئة التقليد الأعمى ، وهذه القلة لم تشكلُ تياراً شعرياً ، بل أتسم مسارها بتجارب شعرية منفردة ، تتميز باختيار الجملة الشعرية ذات الإيقاع الموسيقي ....... سلسة وحميمة وسرية لدى جيلاني طريبشان )(3)
ظل الجيلاني عبر مسيرته الشعرية ، الاتجاه المفرد العميق ، الذي يقول ذاته بحساسية مفرطة في العذوبة ، ويعبر على ذلك بهدوءٍ غاية في السحر :
جمعتنا دروب 
وحمتنا شعوب 
وبعضكم كلما دقت طبول الحرب فر 
غير أنا كلنا نصبح فرداً 
كلما جاء النفير..(4) 

نلاحظ كذلك على تجربة ( طريبشان ) إخلاصها الكامل والصادق للذات الشاعرة ، التي تقود في كل اتجاهاتها إلى عمق تجربته الشخصية ، مجبولةٌ في أغلب أحوالها بغربة وقلق الشاعر الجميل ، فهي وجه آخر للشاعر ، الذي يتلبس الشعر كرؤيا ، ويبحث دائماً عن قصيدة بكر : 

أتيتك 
هل أسميك بلادي أو معذبتي 
تخون الزهرة العشاق 
يذبلُ 
يهرب من شوارعها شذى النوار!! (5)

يُسيطر على تجربة ( طريبشان ) تجاوبها التام مع تفاصيل اليومية البسيطة ، وتحسب له هذه النقطة في وقت كان الشعر يسيطر عليه الهتاف ، كان شعر
( طريبشان ) أقرب إلى الهمس منه إلى الانفعال ، كان يغوص في التفاصيل الصغيرة التي تشكلُ كيان شاعر الحديث في أغلب التجارب العربية المعاصرة ، تجربته الشعرية  أيضاً تبحث عن مفرداتها البسيطة ، مبتعدة عن غموض والربكة التي سيطرت على القصيدة الحديثة ( خصوصاً قصيدة النثر في البداية ) ، ينسجمُ كل ذلك في قالب الفكرة البسيط والهادي :

لكني أحبك 
يا زين نساء العالم 
يا وجه الوطن المنبوذ ، الوطن الهارب 
إني أحبك حتى الموت ، وأولد من ثغرك رائع .(6)

تبرزُ في تجربة ( طريبشان )  شفافية خاصة ، يشكلُ فيها القلق الشاعر الذي ظل يسيطر على تجربته بشكلٍ عام لبنة أساسية ، وأيضاً رومانسية ذات حساسية متفردة ، ظلت ترسمُ مسار تجربته بشكلٍ عام.
يمكن التوقف عند قصيدة ( أربع حالات للشاعر ) والتي أهدها الشاعر إلى الروائي ( إبراهيم الكوني ) في صياغة حالة عامة لحالته الشعرية ، أنه في هذه القصيدة يصوغ بياناً شعرياً خالصاً :
عندما جئت هذى البلاد 
لم أجئها نبياً 
لا غازياً ، ولا وصياً 
لم أكن مطراً 
لم أنشر الخصب في الحقول النديّة
لم أكن واحة يستظل بها المتعبون
.....
جئت طفلاً – لم يعلمني أبي حكمة الشيخ – 
ولا راودتني البطولة في المهد 
كي أرتدي ذات صيف بليد 
خرق الصوف ، وأدعي الصوفية.(7) 
وظلت قصيدته ( قصيدة ذات خالصة ) حتى عندما تتكلم عن الآخرين ، وأكبر الأمثلة على ذلك قصيدة ( اعترافات شاهد نفي قبل فقدان الذاكرة ) المهدأة إلى غسان كنفاني في ديوان ( رؤيا في ممر عام 1974 )
وكذلك قصيدة ( من قصيدة لم تكتمل إلى سعدي يوسف ) : في ديوان ( ابتهال إلى السيدة ( ن ) ، إنها هنا يغرس ذاته في التفاصيل الخاصة بالشاعر ( سعدي يوسف ) :
صار بيني وبينك تذكرة للمرور
وجواز السفر
غير أني تذكرتُ في ردهات المطار
أن قلبي حجر
أن روحي ملطخة بالأسى
فمتى يا رفيق الضياع 
تنبت الأجنحة؟! (8)

( القصيدة رؤيا ) على حد قول ( على الخليلي ) عن تجربة ( جيلاني ) الشعرية ،رؤيا مسكونة بكلِّ هواجس البحث ، فالشاعر هنا لم يبحث عن التطور الشكلي في القصيدة - على الرغم من معاصرة الشاعر لحركة الحداثة الشعرية العربية -  بل كان بحث الشاعر عن الرؤيا التي توجه القصيدة هي كل همه.
هذه الرؤيا كانت تنسجم انسجاماً تاماً مع تجربة الشاعر الشخصية ، هذه التجربة التي تنمو فيها جزئية الذات لتشغل أغلب قصائد التجربة. 

ختاماً : 
عموماً يظل ( الجيلاني طريبشان ) صوت من الأصوات البارزة في تجربة الشعر الليبي ، نتوقف فيها كثيراً عند الصدق والقلق ، بل الأهم من ذلك هو الشفافية التي تفيض بها معظم قصائده ، كذلك نتوقف عند بساطة الألفاظ والأفكار.
وتظل هذه التجربة جزئية مهمة شكلت وأثرت ـ هي مع تجارب أخرى معاصرة لها ـ  في أغلب التجارب الشعرية اللاحقة في مسيرة الشعر الليبي.   
ــــــــــــــــــ
هوامش : 
ــــــــــ
1. موقع الشاعر ( جيلاني طريبشان ) 
2. كتاب ( أفق آخر ) / الشاعر محمد الفقيه صالح / منشورات مجلة المؤتمر.
3.كتاب ( فعل القراءة والتأويل ) الشاعر مفتاح العماري / الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان.
4.قصيدة ( رؤيا في ممر 1974 ) / ديوان رؤيا في ممر 1974 / منشورات الدار العربية للكتاب.
5.قصيدة ( انفعالات فوق العادية ) / ديوان رؤيا في ممر 1974 / منشورات الدار العربية للكتاب.
6.قصيدة (ثلاث صور أولى وأخيرة للحب ) ديوان ابتهال إلى السيدة (ن) / الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان/ 1999.
7.قصيدة ( أربع حالات للشاعر )   ديوان ابتهال إلى السيدة (ن) / الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان/ 1999.
8. قصيدة ( من قصيدة لم تكتمل إلى سعدي يوسف ) ديوان ابتهال إلى السيدة (ن) / الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان/ 1999.












قصيدةُ النثر .. تعيش لأنّها مُزعجة ٌ جدّا ً!!



          
                                                      
عذاب الركابي
نشر بالشمس الثقافي

1. (( إنّ الشكلَ في الفنّ هوَ دوما ً أكثرُ من مُجرّد ِ شكل ٍ..))- ميلان كونديرا
 الّذي أعرفهُ من خلال ِ قراءاتي المتأنيّة وجنوني بالكتابة ِ والكتبِ ، وعشقي لسير ِ الأدباء ِ والكتاب ، شرقا ً وغربا ً ، ولأكثرَ من ربع ِ قرن ٍ ، أنّ المبدعَ الحقيقيّ هُوَ الذي يحترمُ كلّ أشكال ِ الإبداع ِ ،  .. ولمْ يكُنْ وصيّا ً أو رقيبا ً على أحد ٍ ، ولا يرضى أبدا ً أنْ يكونَ شرطيّا ً في مركز ِ الشرطة ِ الجديد الذي يُروجُ لفتحه ِ شعراء وكتاب في مملكة ِ اليأس ِ والإحباط ِ والعجز ِ، جفّت قرائحهم ، وبفعل ِ أنانيتهم البغيظة ِ هجرتهم الكلماتُ والقصائدُ ، تقاعدَ وحيُهم ، وخلت رؤوسهم من الأحلام ِ والرؤى ، بفعل ِ الغرور ِ والنجوميّة ومحاولات إثبات ِ الوجود ِ ، وهُمُ يطلونَ علينا بينَ الحين ِ والآخر بتصريحات ٍ وآراء وتقليعات ٍ لا تتناسبُ معَ ماضيهم وتاريخهم
الإبداعي الذي احترمناه .. ، ولا تنمُ إلاّ عن الشيخوخة ِ والترهل ِ الفكريّ ، وصدا البلاغات ِ الخاوية المفتونين بها ، والتي ملّها الورقُ والقلم ُ القاريء معا ً، وأعلنَ الشعرُ براءتهُ تماما ً من هذيانهم المحموم ِ هذا ، ورفعت ِ الكلمات ُ الصادقة ُ قضية ً ضدّهم أمامَ محكمة ِ الإبداع ِ ،  مُتهمة ً إيّاهم بالشيخوخة ِ والترهل ِ والتكرار ، ومحاربة الجديد والمُثير والمبتكر ، وكل! حرفٍ وكلّ  كلمة ٍ تندلقُ ساخنة ً، مُقلقة ً  ،ومزعجة ً من قريحة ِ الفجر ِ ، وعذبة ً شفافة ً موحية ً ومباركة ً بموكب ِ الندى والوردة والطير في صباح ٍ إبداعي مُشمس ٍ وجميل .. !!

2.(( قُلْ لي أنّكَ تُبدع ُ، اقُلْ لكَ مَنْ أنتَ .. )) – غوتة !!
ماذا يُريدُ هؤلاء ِ الشعراء الكبار ؟؟ .. عشْنا على غنائياتهم زمَنا ً طويلا ً ، ورفعنا قبعاتنا ، ونكّسنا رؤوسنا زمنا ً أطولَ ، .. قدّسنا زمنهم النضاليّ والفكريّ ، شاركناهم جراحهم ونزفهم ، عشنا  حزنَهم وفرَحهم ، حريتَهم وسجنهم ، حفظنا لهُم زمنهُم وتفاصيل حياتهم في نسيج ِ ذاكرتنا التي لا تشيخ ، وكلماتنا التي لا تعرفُ الذبول والترهل ،.. وها هُمُ يجرحونَ وجودنا ،  ويؤطرون َ أحلامنا ، ويسفهون َ أحاسيسنا ، ويتهمونَ خزائنَ زمننا الإبداعيّ بالصدأ ، يحاولون وضعَ القيود والأصفاد في أيدينا ، وسحن كلماتنا – قوّتنا ، وصباحاتنا الدافئة .. !!  
   لماذا هذه ِ المُكابرة ؟؟ زمنهم ينتهي ليبدأ زمننا ، نحنُ الرابظين في إيقاع ِ عصر ٍ يبدأ ، يتجدّد ، ولغة ٍتتفجرُ وتتشكلُ ، وكلمات تثورُ وتسمو ، وتاريخ ٍ يغضبُ ليولد ، وأصابع تجنُ لتكتب َ ، وقريحة ٍ  تنزفُ لتصدحَ .. !! 
   هلْ كثيرٌ عليْنا أنْ نصرخ َ بحريّة ٍ ، ونؤرّخَ لجراحنا .. ، وأنْ نكتبَ ونحنُ (( نعطي الكلمات ِ حُرية َ المبادرة )) كما أوصى الشاعرُ العبقريّ مالارميه ؟؟ .. هلْ كثيرٌ عليْنا أنْ نؤسّسَ (( للخراب الضروري )) الذي نادى به ِ شاعرُ الحداثة ِ العظيم آرثور رامبو .. ؟؟ 

هلْ كثيرٌ عليّنا أنْ نكتبَ دونَ أنْ ننظرَ إلى الوراء كما أراد الشاعر الراحل الكبيرعبد الوهاب البياتي ؟؟ كثيرٌ عليْنا أنْ نبشرَ بولادة تفعيلات ٍ جديدة ٍ للقصيدة ِ ، صاغتها ذاكرة العصر الذي نعيشهُ ،ونحنُ نُحيي ذكرى الخليل بن أحمد الفراهيدي والعظام من أجدادنا الذين أرّقتهم وشغلتهم براكينُ  لغتنا الجميلة ؟؟ أو نقيم نصبا ً للشاعرِ الثائر أبي العتاهية ونجعل من صرخته ِ(( أنا أكبرُ من العروض )) دستورا ً وقانونا ً لإبداعاتنا الشعرية ِ الجديدة .. وكلماتنا المنقوشة على خاصرة ِ الشمس ِ .. !!

3.(( لا يخترعُ الشعراءُ القصائدَ .. فالقصيدةُ موجودةٌ في مكان ٍ ما .. هُناك منذ ُ زمن ٍ طويل ٍ جدّا ً ، هيَ هُناك ، ولا يفعلُ الشاعرُ شيئا ً سوى أنْ يكشفَ عنها ))- جان سكاسيل .
   ماذا يُريدُ هؤلاء ِ الشعراء الكبار .. ؟؟
نحنُ نكتبُ قصيدةَ النثر .. ما المُشكلة .. ؟؟ هلْ تزعجهم لهذا الحد ؟؟ هلْ نزاحمهم ؟؟ هلْ نضايقهم ؟؟ هُمُ لهُم أوزانهم وقوافيهم و معلقاتهم ورؤاهم المكرّرة ، وتفعيلاتهم المحنطة ، ونحنُ  لنا جنوننا ، وفوضانا ، وحلمنا ، وخرابنا الضروري .. !! لمْ نزاحمهم لا على الأوزان والقوافي ولا على الكلمات المكرورة  والمعادة ، حلالٌ عليهم إلى يومَ يُبعثون ، .. نحترمُ لونَهم  الشعري ومجنزرات تفعيلاتهم ، وعابرات حدود قوافيهم ومازلنا .. وليتركونا فقط نحلمُ .. ،  نكتبُ ما نشعرُ ونحسُ به ِ ، نضعُ الكلمةَ في المكان الذي تريدهُ ، لا نشطبُ حرفا ً أو نضيف آخر بأمر ِ الخليليين ، تكتبنا القصيدةُ متى تشاءُ ، نفتحُ أجسادنا لمُداهماتها الجميلة دونَ مقاومة ، لذتنا في فوضاها وخرابها وعناقيد ِ حكمتها .. !!
     (( الأوزانُ والقوافي لا تصنعُ شعرا ً )) .. هذا صحيح ٌ .. !!
     (( الشعرُ كلامٌ موزونٌ ومُقفى )) .. مقولةٌ ساذجة ٌ .. !!
وبحورُ الشعر ِ ليسَتْ ستة َ عشرَ إنّها ستمائة .. وألف .. وألفان .. !!
نحنُ لا نكتبُ شعرا ً موزونا ً في عالم ٍ غير موزون ٍ ولا مُقفى .. ، الحرية فيه تصادرُ .. ، والعدالة ُتجرَحُ .. ، والبراءةُ تحاكمُ .. ، والمحبةُ تتقاعدُ .. ، والفرحُ يستقيلُ .. ، والإنسانُ  يغيبُ .. !! كلماتنا ليسَتْ أسيرةً لرؤاهم القديمة .. ونحنُ لسنا عبيدا ً لأذهانهم التقليدية ..  ومشاعرنا ، وأحاسيسنا وأحلامنا ستظل بعيدة ص عن لوائح ِ سجونهم .. ماذا يريدون .. ؟؟
لمْ نمنعهم إذا أرادوا بقاذفات ِ بحورهم ، وجلجلة قوافيهم ، تحرير فلسطين أوْ إخراج الأمريكان منَ العراق .. أو تحقيق الوحدة العربية .. !!

4. (( هلْ أجرؤ على أنْ أزعج الكونَ .. ؟ ))- إليوت !!
نعرفُ أنّ قصيدةَ النثر تُزعجهم ، تُطلقُ الرصاصَ على زمنهم ، تُعرّي خمولهم وجمودهم ، لكنّها لا تُصادرهم كما يُريدون مصادرتنا ، وجرح أحلامنا .. !!
  عاشَ الجواهري ، وعبد الله البر دوني ، وبدوي الجبل ، ونزار قباني، وخليل حاوي ، وصلاح عبد الصبور، وغيرهم من عمالقة الشعر ، طوال حياتهم يحترمون كلّ  الأشكال  الشعرية وكلّ ألوان الإبداع .. يصغونَ للصغير والكبير ، دونَ أنْ يتذمروا أوْ أنْ ينزعجوا ، أوْ يجرحوا أحدا ً ، أو يطلقوا النارَ على احد ٍ ، ..و هذا شاعرُ الحداثة الكبير- البياتي أسّسَ  جائزةً باسمه ِ للشعراء الشباب ، وأنا أعرفُ لقربي من البياتي وصداقتي لهُ أنّهُ كانَ ينفقُ  من جيبه ِ الخاص ، على شعراء شباب كثيرين كيْ تظهرَ دواوينهم الأولى ، وترى النور ، ..  الشعراء العراقيون المقيمون في عمّان ودمشق يعرفون ذلكَ جيدا ً ، ولا ينكر ونه ، وأنا أحدُ
الشعراء الذينَ أسهمَ البياتي في طباعة ِ كتابي ( صلوات العاشق السومري )- الصادر بعمان  دار أزمنة 1997، والصديق الشاعر والفنان إلياس فركوح صاحب دار النشر شاهد على ذلك .
وهناك العديد من الشعراء والكتاب المبدعين الذين وقفوا معَ الكتاب الشباب وساعدوا في وصولهم ، ونشر إبداعاتهم ، وكتبوا مشيدين بتجاربهم ، وكانوا السبب في حضورهم ، وتألقهم الإبداعي ، وحصولهم حتّى على جوائز قيمة .. ،  بلْ تربطهم بهم ، ومازالت علاقات عميقة وحميمة .. كتابي (( عبد الرحمن الربيعي.. وأسئلة الزمن الصعب ))- دار المعارف – تونس 2004 يؤسّسُ للوفاء بين المبدعين في عصر الذئبنة – كما وصفته الكاتبة الكبيرة غادة السمان .. !!


5. أيّها الشعراءُ الأحبّة ُ الكبار ُ .. !!
إنّ مملكةَ الكلمات ِ قدْ نالتْ استقلالَها .. ، وهيَ الآنَ بلا شرطة ، ولا حُرّاس ، ولا نقاط تفتيش أوْ جمارك ، .. العصافيرُ والربيعُ والأطفالُ والأحلامُ يرفضونَ ذلك َ .. !! والشعرُ ضميرُ الأزمنة و ( السرّ ُ المقدسُ ) كما يرى – أوكتافيو باث ، لا عمرَ لهُ ، والشعراءُ عمرٌ واحدٌ ، يكملُ بعضهم البعض ،  مضيئون كالكواكب ، والإبداعُ لا شكلَ لهُ ، وهوَ شهادةٌ على عصور ٍ ذاهبة ٍ  وعصور ٍ قادمة ، .. وسلطة الكلمة ِ أزليّة  فلماذا هذا الخوف ؟؟ ولماذا هذا الرصاصُ الباردُ الذي يُطلَقُ من حين ٍ لآخر ، هُنا وهُناك ، أنّهُ لنْ يصيبَ أحدا ً ، ولنْ يُربكَ سيرَ قافلة الإبداع الماضية أبدا ً باتجاه ِ الفجر ِ ، والربيع ، والوردة ، والصباح ، والحبّ ، والإنسان الحالم .. !!

                                                             




" نثر ُ المستيقظ " * للشاعر - مفتاح العمّاري.. شكل ُ القصيدة ِ هيَ القصيدة ُ كُلّها





                    
                                                                     عِذاب الركابيّ
نشر بالشمس الثقافي
    
 .(( لا بُدّ للكلمة ِ في الشعر ِ منْ أنْ تعلوَ  على ذاتِها ،  أنْ تزخر َ بأكثرَ
          ممّا تعد ُ به ِ ، وأنْ تشيرَ  إلى أكثرَ  ما نقول ُ ..)) -  أدونيس
                                                               مجلة –شعر- العدد11-1959م.
   إنّ الشعر َ لعبة ُ كلمات ٍ ، وأنّ ملكة َ التعبير ِ صانعة ُ الخيال ِ ، وهوَ المسؤولُ عن تشظي الأصابع ِ ، بكلّ جنون ٍ ، إلى  هذا النثار الرائع من كتل ِ الضوء ِ – الكلمات ، وهوَ الذي يوقظ ُ في أوتار ِ القريحة ِ هذه ِ الدُرّر المتناغمة ، والتي تتحولُ عند الشاعر ِ مفتاح العمّاري إلى لوحات ٍ تشكيلية ٍ، لا يخفت ُ لونها ، وتظل ُ آية ُ التشكيل ِ فيها تُرَتَل ُ في اللازمان ، وتضيء ُ بسحر ِ ألوانها في اللامكان ، حتّى تعلن ُ مملكة ُ الجسد ِ أنّ الشعر َ لمْ  يعُدْ صنعة ً كما رآه ُ النقادُ والأكاديميون ، بلْ هوَ  خلاصة ُ فتافيت ِ الجسد ِ المُشتعل ِ عشقا ً ، وصورة حياة ٍ تظلُ أبدا ً نابضة ً بالحياة :
أنت ِ الصغيرة ُ
جمالُك ِ 
أكبرُ من خيال ِ كهولتي
فيا لطغيانه ِ ،
كائنُ الأرق ِ 
يستيقظ ُ بي –ص9.
  الشاعر مفتاح العمّاري  لا يفيضُ شعرا ً يُدمي القلبَ ، وصورا ً تثقفُ العين َ ، وإيقاعات ٍ ترتّبُ خطانا المرهونة َ بنبض الصباح ، وتعبيرات ٍ تجدّد ُ نسيج الذاكرة وهوَ يتجلى لُغة ً للوصول ِ إلى لُغة ِ اللغة ِ ، دفء الدفء ِ ، وسحر السحر ِفي فوضى شعرية ٍ ضرورية ٍ، عبرَ مفردة ٍ موحية ٍ ، لا تخلو من مشاغبةٍ بلاغيةٍ مُمغنطة بحسّ شاعر ٍ يحيا على نيران ِ الكلماتِ أبدا ً ، زادهُ ، وشمسهُ ، ودليلهُ  ..، وعلى ذكريات ِ عشقهِ  القديم ِ – الجديدِ  الممتد حتّى آخر ضفة ِ من ضفاف ِ بحر ِ الهيام . يقولُ ميخائيل نعيمة : (  الشعرُ لغة ُ النفس ِ ، والشاعرُ ترجمانُ النفس ِ ، وكما أنّ الله َ لا يحفلُ بالمعابد ِ وزخرفتِها ، بلْ بالصلاة ِ الخارجةِ من أعماق ِ القلب ِ)- الغربال –ص84. وشعرُ العمّاري لغةُ نفسه ِ العاشقة ِ الحائرة ِ، وصلاة  ُقلبه ِ التي لا تكون ُ قضاء ً :
((  أتشبث ُ بصحوك ِ ، 
    تستغيثين َ بنومي ))
(( جمالُك ِ 
   أكبرُ من  خيال ِ كهولتي))-ص9
((  الرملُ شراشفُ غافيةٌ ))-ص13
(( الكلمة ُ  المضروبة ُ على قفاها ،
   زهرة ُ عبّاد الشمس ِ )) – ص19
هيَ زخات ُ لغة ٍ مزمنة ٍ  ..!! أهيَ وليمة ُخيال ٍ جامح ٍ ، أمْ أنها صور ٌ تحرّك ُ جحافل َ جوع ِ الذاكرة للثورة ِ على السائد ِ ، مستعينة ً بمدافع ِ الأحلام  اليقظة للحصول على رغيف ِ التأمل ِ ،
والدهشة ِ ، والجذب ِ عبرَ كلمات ٍ فسفورها ضوء ُ قمر ٍ لا يغيبُ ، وإيحاءات أفكارها  ومعانيها نهرُها لا ينضب .
. (( إنّ الفنّانين  لا  يتلقون َ الوحيَ إلا ّ من الأشياء ِ التي  تؤثر فيهم ))- كروتشة .   والشاعرُ :( مجموعة إحساسات ٍ وأخيلة ٍ ) – كما يعبّر ُ تيوفيل غوتييه ، وها هوَ  الشاعر ُ العمّاري حالة ُ عشق ٍ  مكتوب ٍ برماد ِ الروح ِ المعذّبة ِ ، وهيَ تتأملُ كينونتها المتناثرة َفي دهاليز ِ كونِها اللامرئي ، وطموحِها  المُصادر ِ :
يا مفازة َ النور ِ 
لذا ظلت عتمتُك ِ تغسلنا ،
فحلمْنا بقمر ِ الخرافات ِ،
واقتفينا أصابعك ِ
وهيَ تتسللُ صاعدة ً
ذرى الكلمات ِ الحارة ِ
لكيْ تضاء ُ المسافة ُ
بوميض ِ فتنتك ْ-ص33.
ودفء ٍ ورقّة ٍ ، تتفوق ُ على كيمياء ِ وردة ٍ  تزهو بمفاتنها العطرية ، أوْ عاشقة ٍ
ظامئة ٍ  للموعد ِ المُنتظر ِ ، والقبلة ِ المُؤجّلة:
هكذا هيَ  قامتُك ِ الأنعمُ  منْ
هفهفة ِ العطر ِ ، 
ترسم ُ يقينَ وجهتنا،
لهذا تقدمنا بك ِ ، 
حينَ استسلمَ سادنُ البياض ِ
لعناصر ِ ظلمتِك ِ
فتبعناك ِ طائعينْ –ص34.
وحالة  توحد ٍ مع الآخر ِ ،  عبرَ لغة ِ تجدّد ُ أبجديتها ،  وتاريخ ٍ نزيه ٍ ، يستبدل ُ صفحاته الصفراء بأوراق ِالشجر ِالأخضر ِ ، وحلم ٍ فتيّ  يُداهمُ نومَنا  بحراب ِ الحقيقةِ ، ولقاء ٍ تحت وابلِ مطر ٍ ليلكيّ  مُفاجيء :
كأنّك ِ خلاصة ُ حروب ٍ
ولغات ٍ وحرائقْ ،
لأجلك ِ تتأجلُ المدارات ُ
ويسبقُ بريق ُ نحاسك ِ
ذخيرة َ غزونِا لممالك ِ النظرْ –ص35
         **
يستعيرك الواحد ُ 
فيتعدّد بك ِ / تحبسك ِالعبارة ُ 
لتعتق َ غموضَها / تذهب إليك ِ المحطات ُ 
فتلتبس ُ العناوين ُ/ ولا أحد يصلُ –ص37.
وإصغاءة هادئة ، ترتبّها الكلمات ُ ، وتهيّا  طقوسَها القصيدة ُ ، للحصول ِ على إذن ِ التجول ِ  في أخيلة ِ .. وتأملات ِ عاشق ٍ حتّى العظم ِ ..، وعلى آهات ِ ليله ِ الطويل ِ ، ترتب ُ تفاصيل حياته ِ ، ومواعيد َعشقه ِ ، وعلاقاته ِ الموصولة  َبذاكرة ِ الصباحات ِ الجديدة ِ:
حواسنا كلّها 
تصغي إليك ِ ،
حين َ تقودين َ  روح َ العالم ِ ، 
رشيقة ً ،
كنغم ِ صنفرة ِ الأسى /
تطلقين َ جوارح المعدن ِ ، 
حرّة ً في سماء ٍ سكرانة ْ –ص37
      **
من ياسمين عنقِك ِ 
يتشتّت ُ العطر ُ / ضائعا ً ،
بين َ عبّاده ِ الخاشعين – ص38
وصوفيّة مُختزنة ، جادت بعرضِها الأقمار ُ التي كانت ْ تضيء ُ سماء َ أنبياء ِالعشق ِ ، وروّاد قصيدة النثر ، فريد الدين العطار ، وجلال الدين الرومي ، والنّفّري  ، وذواتهم  وهيَ تتماهى مع المعشوق ِ– الفرد  ِ:
تشظّت مغاليق ُ المتع ِ ،
فاستبان َ الستر ُ 
وتهرّى الرخام ُ محموما ً 
من وهج ِ الصّبْ !!
  **
هتفت ِ الدلالات ُ :
المجدُ للحكمة ِ المُشرّدةْ / للنسيج ِ الممزق ِ /
للكلمات ِ المنحرفة ِ /  عن مدارات ِ النحات /
للكلمات ِ .. خالقة السماء الأولى
للسرّ الفاقع ِ ،
وهوَ يعلو فوق َ العلو ِ
تأخذه ُ نشوة ُ الرائي –ص41.
وكيمياء ُ كلمة ٍ شعرية ٍ ، عناصرُها الاحتراق ُ ، واللذة ُ ، وهمس ُ الفكرة ِ ، والخيالُ المُنتج في مُختبر ِ الروح ِ المتوجة ِ بآلام ِ  الوحي الشعريّ .. الحاضر  ِبلا انتهاء :
أحِبّ يا ربي بارقة الخدّ
وما تقترحه ُ الجنّة ُ
من لذائذ ِ أكبر من خيال ِ الشعراءْ
لهذا أهجر ُ اليقين َ
صوب َ مواطن ِ الشك ِ 
لكيْ تتأهب ُ الألفاظ ُ للنفيرْ – ص43.
. (( الشاعر ُ كاهن ٌ لأنّه ُ يخدم ُ إلها ً هوَ الحقيقة ُ والجمال..))- ميخائيل نعيمة !!
وهذا ما رأيته ، وما يلمسه ُ القاريء ، في قصائد ِ العمّاري ، فلمْ يعُدِ الشعرُ حلما ً مختزنا ً لذكريات ِ عشق ٍ قديم ٍ ، بلْ هوَ صورة للجمال ِ ، وواقعة لعشق ٍ متجدّد ، تبدو الحياة ُ بدونه ِ مستحيلة  ، والعمر ُ يشكو تبدّد ساعاته ِ الحرجة في حدائق غادرتها ورودها وفراشاته في مركب ِ شمس ٍ ضجرة :
لقدْ ذبُلت ِ العناوين ُ
فوق َ منضدة ِ الزينة ِ 
وأحجمت ِ الزهور ُ
عن الذهاب ِ إلى غرفة ِ النوم ِ ،
وغدا المطاف ُ إلى قلبك ِ 
مكسوا ً بالرماد ِ
والصعود إلى فمِك ِ 
محفوفا ً بالحرائق ِ –ص49.
 الشعر ُ دواء الضجر ِ ، حالة ُ هروب ٍ مُتقنة ٍ من رتابة ِ الوقت ِ ، وبلادة الأمكنة ، ومن صدا العلاقات ِ ، ..حالة ُ علو ٍ بالذات ِ الشاعرة ِ التي ترفض ُ الاستسلام َ لموت ٍ مُبرمج ٍ ، أو ( الهروب  منها  ، ليحول َ آلامَه الذاتية الخاصّة إلى شيء ٍ خصب ٍ ) –حسب تعبير إليوت .. لحظة ُ انتفاضة ِ كائنات ِ الضوء  على حكم ِ ظلمة ِ حالكة ٍ يحلو لها أنْ تستبدَ ..، لحظة صدق ٍ تضيء دهاليزَ الروح ِ التي بدت مُحاصرة ً بالكسل ِ..، ثورة تقودها إيقاعات ُ الإبداع ِ ، بكلّ أدوات ِ اللغة ِ والبلاغة ِ ، وهي تؤكّد ُ خلود الكلمات ، بلغة ٍ بلا كلمات ، ليسَ إلا َ كسوف أبيض يعلن ُ عن وجوده ِ عبرَ قصائد فوتوغرافية ، تؤسّس ُ لمدن ٍ من خيال ٍ راق ٍ :
ثمة ُ كسوف جبان ..
يكشّر ُ عن أنيابه ِ ويهز ُّ ذيلَه ُ جهارا ً نهارا ً 
كسوف ٌ مُبجّل ُ .. نصفّق ُ لهُ ،
كسوفٌ سعيدُ الحظ ّ،
نهديه صمتنا ..،
كسوفٌ مُدلل ..،
يتبول ُ على ركبة ِ الوقت ِ..
كسوف ٌ مُهذب ُ /
يلعبُ الشطرنج ،
كسوف ٌ مُؤبّد ٌ..
مُوسوسٌ .. ومُحتال
كسوف ٌ نكرة ٌ ،
كسوف ٌمُخل
كسوف ٌ بلا معنى ،
هذا كلّ شيء ..!! – ص82.
.(( إنّ الشعرَ نوعٌ من الرياضة ِ المُلهمة ِ التي نقفُ منها
    على معادلات ٍ ..))- إزرا باوند .
و(( نثرُ المستيقظ)).. رياضة ٌ مُلهمة  ، لغة ُ اللغة ِ ، خيالُ الخيال  ِ ، أوْ بعده ، استفزازُ المُستفِز ، وإثارة ُ المثير ، ( معادلات لانفعالات ٍ إنسانيّة ) ..، للصياغات ِ التي أثقلت براكين اللغة ..، لجسارة وجرأة الهواجس ِ ..، للخشوع ِفي الصّلاة ِ إلى معنى المعنى  .. تعالوْا نقرأ  مُعادلات ِ – العمّاري الشعرية:
(( كُنْ أحمق َ ، تأتي الحقيقة ُ إليك))-ص94
(( قفْ بسيطا ً خجولا ً إزاء المتغطرس ِ ، تغدو عظيما ً))
(( كُنْ لا شيء ، تملكْ كلّ شيء))
(( انظرْ إلى قدميك ، تفقدْ النجومُ بريقّها))
(( انظرْ إلى السحب ِ ،  تختفي الأرضُ ))-ص95.
(( دع ِ المُهرج َ يثيرُ ضجيجا ً ، لكيْ تمتلك َ صولجان َ الصمتِ ))-ص96
(( إذا علوت َ خذ ْ قطعة ً من السماء ِ تكفي لقبر ٍ صغير ٍ ))
(( أنْ تتضاءل َ جاعلا ً من الثقل ِ خفّة ً ))- ص97.
. في نصائحه ِ ، وفي نظراته ِ النقدية الهامة ِ ، يدعو الشاعرُ والناقدُ – إليوت الشعراء إلى استخدام ِ اللغة اليوميّة ، منبها ً من خطر ِ ما يُسمّيه  إعلاء الذات ، ودعوته  إلى تقديس :
(الأشياء التي يستعلي عليها الناس ، أوْ يهملونها عامدين )..، في قصيدة ( قبعة أبي) 
كانَ العمّاري  تلميذا ً مُطيعا ً في حضرة ِ الشاعر- المعلم  ِإليوت وكأنّهُ ( يقيمُ بيتَه ُ في قلب ِ الجمهور ِ المتزاحم ِ ) – كما يعبّرُ بودلير ، وهوَ يرى في  البساطة ِ  عطر َ الجذب ِ ، والتلقائية طريقه للوصول ِ بحميمية ِ إلى الآخرين ..، من الأمّ الحبيبة ِ، إلى الوطن ِ ، إلى  الأصدقاء :
أحِبّ ُ أمّي وأطفالي وزوجتي وإخوتي وجيراني
أحِبّ ُ طرابلسَ والجبلَ الأخضرَ ،
أحِبّ ُ زنقة القزدارة والماجوري وخبز تنور جارتنا الحاجة شميسة ،
أحبّ ُ أصدقائي الحالمين والميتين والعربيدين والحمقى ،
أحِبّ ُ السفرَ والكتبَ والموسيقا والكسل َ أحيانا ً ،
أحِبّ ُ الهدوء َ والضحك َ ورائحة َالقهوة ِ في الصباح ِ الباكر ِ ،
أحبّ ُ النجوم َ والغناء َ في الحمّام ِ والنظر َ عبرَ النافذةِ – ص112.
. " نثر ُ المُستيقظ".. قصائد ُ فوتغرافية !!
ذاكرة ُ الحاضر المتمرّد ِ والجسور ..، زادُ الزمن ِ القادم ،  شهادة ُ الشاعر ِ في عصر ٍ يمقت ُ خطوته ، ويُسفّه  دموعَه الحارقة ..، عبرَ لُغة ٍ  تقاتلُ مفرداتها ..، ولا تخجلُ من بلاغتها المشاغبة ..، وتدافع ُ بكلّ ألوان ِ .. ورموز ِ أبجديتها  عن شاعريتها الخالدة .. ، وعن جسارة ذاكرة الشاعر التي  يصعب ُ أنْ يطالها الصدا ُ والذبولُ والموتُ.

                                                                        

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نثر المُستيقظ  - نصوص -  مفتاح العمّاري – منشورات /  مجلس الثقافة العام 2008م.




ملتقى النص الجديد ــ مابعد قصيدة النثر ـ





كتبت / عائشة المغربي
نشر بالشمس الثقافي


       شهدت القاهرة في المدة الماضية وقائع الملتقى الأول للنص الجديد ـ مابعد قصيدة النثر باستضافة من اتحاد كتاب مصر ، وهو ملتقى تنظمه "مؤسسة أروقة الثقافية" برعاية مشاركة من شركة فرسان الجزيرة وشركة "جنرال لابوراتوري"  ويبحث  إشكالات  تخلق نص جديد يمتزج بالتقنية ويلعب على مفارقاتها . بدأت فعاليات الملتقى في الحادية عشرصباحاً من يوم 4فبرايربجلسة افتتاحية ، حيث افتتح محمد السيد عيد نائب  رئيس اتحاد كتاب مصر الملتقى باعتبار اتحاد كتاب مصر الجهة المستضيفة ، ثم ألقى المفكر والكاتب الدكتور السيد  ياسين   رئيس الملتقى كلمة تحدث فيها عن الظروف التاريخية لنشوء النص الجديد ، وانطلاقه من رؤية للعالم كما أشاد باجتماع هذا الكم من الشعراء والنقاد والإعلاميين من أقطار الوطن العربي  ليبحثوا تأسيس هذا النص المربك ، ثم ألقى منسق عام الملتقى الشاعر هاني الصلوي كلمة قرأ فيها بيان النص الجديد / المستقبل وهو البيان الذي بدأت به "أروقة جنون " مشروعها قبل أن تتسع لتصبح مؤسسة أروقة الثقافية بنوافذها المختلفة ، ألقت بعد ذلك المترجمة والشاعرة المغربية / أمينة الحسيني كلمة مؤسسة أروقة  والشاعر المصري ماهر نصر كلمة اللجنة المنظمة ، ختم الجلسة الافتتاحية الأستاذ الدكتور مدحت الجيار بشكر للحاضرين وترحيب بهم في مصر وإشادة بماقاموا به لأجل الوصول إلى هذا المؤتمر من أقطار الوطن العربي  . حضر الافتتاحية عدد من الشخصيات على رأسهم النائب في البرلمان اليمني سلطان السامعي  
بعد انتهاء الجلسة الافتتاحية ، ابتدأت ورشة النص الجديد الأولى أدارها الدكتور مدحت الجيار والشاعرة الليبية عائشة المغربي  قدم أوراقها النقاد : علي الرباعي ، ومحي الدين علي سعيد وخضير ميري ، وعمر شهريار وتقاطع مع هذه الأوراق عدد من الكتاب والنقاد  ، وفي السادسة مساء ابتدأت الأمسية الشعرية الأولى والتي أدارها الشاعرالتونسي  مراد بن منصور حيث قرأ فيها عدد من الشعراء لتبدأ الأمسية الثانية في الثانية مساء . أما برنامج اليوم الثاني فانطلق مع الثانية ظهراً بالورشة الثانية للنص الجديد وقد أدارتها الشاعرة راضية الشهايبي وتحدث فيها كل من عبدالرحمن سابي ، وغرم الله الصقاعي ومحمد عبدالوكيل جازم وأيمن جليل وعلي الأصمعي وانشراح حمدان ودارت فيها الكثير من النقاشات  ، وفي السادسة مساء من نفس اليوم أدار الدكتور سامي سليمان أحمد جلسة شهادة شعرية للشاعر السبعيني رفعت سلام الذي تحدث فيها عن تجربته المتميزة وفتح مدير الجلسة بعد ذلك باب النقاش والحوار مع الشاعر رفعت سلام الذي أجاب بعد ذلك عن أسئلة الحاضرين وناقشهم في كثير من المفاهيم الشعرية ، وفي الثامنة مساء ً من نفس اليوم حضرت كثير من المواقع والمنتديات والمراكز الثقافية  الإلكترونية  والواقعية في مائدة مستديرة ناقش قيها الحاضرون عدداً من القضايا الثقافية والنقدية تحدث فيها كل من : زياد السعودي عميد ملتقى الفينيق الأدبي عن ملتقى الفييق ، وراضية الشهايبي مدير تظاهرة أربعة وعشرين ساعة شعر بسوسة التونسية  ، ومحمد منير مديرموقع مدارات المؤسس عن موقع مدارات ، وجمال جلاصي عن  إنانا ، وخالد عمر عن المركز الثقافي اليمني بالقاهرة كما تحدث عن أروقة جنون الموقع الراعي للمائدة  كل من عبدالله الخثعمي المشرف العام للأروقة وليد العليمي عضو الهيئة العليا  ، أدار ت المائدة أمينة الحسيني. وفي اليوم الثالث من أيام الملتقى اتجه  المشاركون في الملتقى إلى محافظة الغربية في رحلة سياحية وأقاموا في نادي السنطة الرياضي جلستين شعريتين وتنزهوا في المنطقة وحضروا مجموعة من العروض الشعبية  ، أما اليوم الأخير من الملتقى فقد شهد جلسة شعرية أدراها الشاعر جمال الجلاصي ، تلا ذلك الجلسة الختامية للملتقى حيث قرأ فيها الشاعر مازن النجار الكلمة الختامية للمؤتمر ، وبعد ذلك قام النائب سلطان السامعي بمعية أمينة الحسيني منسق عام أروقة جنون ، والشاعر هاني الصلوي منسق عام الملتقى بتكريم الدكتور / مدحت الجيار ناقداً نيابة عن  أعضاء الملتقى احتفاء بتجربته النقدية ، لينظم بعد ذلك الدكتور مدحت إلى المكرمين لتكريم الشعراء الحاضرين في الملتقى   وفي الختام ألقى الدكتور مدحت الجيار كلمة أخيرة نيابة عن اتحاد كتاب مصر ، كما أحالت هيئة  تنظيم الملتقى أوراق أبحاث الملتقى والتوصيات إلى الأمانة العامة للملتقى لصياغة البيان الختامي للملتقى خلال عشرين يوم من تاريخه .