الثلاثاء، 10 نوفمبر 2015

روايةِ "زمن الأخ القائد" لفرجِ أبوالعشة بمعرضِ طرابلسَ الدوليّ للكتابِ



حواريةٌ حولَ روايةِ "زمن الأخ القائدلفرجِ أبوالعشة نظّمت هيأةُ دعمِ وتشجيعِ الصحافةِ في جناحِها بمعرضِ طرابلسَ الدوليّ للكتابِ في دورتِه الحاديةِ عشر جلسةً حوارية قدمها الشاعر خالد درويش مدير مكتب شؤون الصحف بالهيئة  حولَ رواية الكاتبِ الليبي فرج أبوالعشة لروايته " زمن الأخ القائد"، التي نشرتَها دارُ الآدابِ اللبنانيةِ العام الماضي، وهي من أوائلِ الرواياتِ الليبية التِي تكشفُ حقيقةَ معمر القذافي.
وتطرحُ الروايةُ، منذُ عنوانِها عديدَ الأسئلةِ، أسئلةَ الهويةِ وأسئلةِ الوجودِ تحتَ إرهابِ ،أسئلةِ الواقعِ العربي الفظِّ في ليبيا، الاستبداد، وتتناولُ الروايةُ سيرةَ وطنٍ عبرَ مجموعةٍ من الشخصياتِ المُحملّة بالهمِّ الثقافي، إلا أنّها تنفتحُ بجرأةٍ على سيرةِ أوطانٍ عدة، وعلى حياةِ بشرٍ وجدُوا أنفسَهم هاربين من الوطنِ القامع إلى أماكنَ أكثر قمعًا.
وناقشَ فرج مع الحضورِ عدةَ قضايا أهمهما "تقديم العربي المُحاصر بالتيه النفسي والقمع السياسي، فلا يسعه في النهاية سوى البكاء مثل عبدالله الأحمر، لكنّ الأخير لم يحافظْ على ملكْه، في حينَ أنّ المواطنَ العربي دائمُ الترحالِ، حاولَ أنْ يتشبثُ بوطنِه بكرامةٍ وإنسانيةٍ، وبضياعِهما اضطرَ إلى الترحالِ، وهو يزفرُ الزفرةَ الأخيرة.
كما يتناولُ الكاتبُ في الجلسةِ الحواريةِ التِي حضرَها لفيفٌ من المثقفين الليبيين "نزوح البدو من الصحراءِ إلى الحضرِ مع حصولِ ليبيا على استقلالِها عام 1951، وتحوّل والده إلى أفندي محصّلِ ضرائب، ثم إلى «البدوي الحديث»: راديو، سينما، مرحاض، وأخيراً نفطوهو البدوي الذي يستبشرُ خيرًا بالانقلابِ العسكريِّ الذي خلّصه من النظامِ السابقِ والإنكليز والأميركيين، ثم لا يلبثُ أنْ يدركَ أي منقلب آلت إليه حال البلاد مع الأخ القائد، الزعيم الفرد، السلطة".
كما يروي أبو العشة حول مغادرتِه ليبيا إلى المنفى ويقولُخرجت من جحيم ليبيا إلى جحيمِ المنفى، وقال العشة إنه الفردُ الزعيمُ الذي يسعى دائمًا إلى تحجيمِ دورِ المثقف، وخلعِ أظافرِه، وكسرِ إرادتِه، لأنه يخشى سلاحَ الكلمةِ والعقلِ في «زمن الأخ القائد»، ويروي فرج سيرةَ الوطن وسيرةَ المثقفِ في وطنِه، فتظهرُ مأساةَ المثقفِ في أزمنةِ ما بعد الاستقلالِ، وفي ظلِّ النفطِ والبداوةِ والعسكرِ لم تنتهِ المأساة حتى لحظةِ الكتابة

عن صفحة المعرض : https://www.facebook.com/145500172313322/photos/a.149235081939831.1073741826.145500172313322/165246523672020/?type=1&theater

الأربعاء، 18 مارس 2015

الشاعر محمد عفيفي مطر ،، كم تحطمت تماثيل من أجل بناء تماثيل أعتى وأشنع ، وكم مزقت صور طغاة من أجل طغاة آخرين أكثر طغياناً



الشاعر محمد عفيفي مطر ،،

كم تحطمت تماثيل من أجل بناء تماثيل أعتى وأشنع ، وكم مزقت صور  طغاة من أجل طغاة آخرين أكثر طغياناً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حاوره في طرابلس / خالد درويش

من قصائده المتوحشة إلى عناقيد النخيل ، 
طارت قصائده لتبلغ المحيط والخليج ، 
محمد عفيفي مطر الشاعر الرقيق يقول كلمته ويمضي لتشغل وراءه تلك الكلمة خنادق من الرفض واللا دلالات المتكررة ، خاطب الفقراء والدراويش والمضطهدين ، صافح الحرية أينما وجدت ليكتشف كنز الإنسان المخبوء ، حاربته السلطة وهو الشاعر الأعزل.. تعرض كمناضل للتجويع والتهميش والزنازين الباردة ، حذفت قصائده من المناهج التعليمية والدراسات الجامعية ، حين نقف اليوم أمام هذا الشاعر الكبير فإن القصيدة تخجل بين يديه حين يطلقها في سماء الأدب حروفاً من لهيب ومعرفة ، حمامات بيضاء مقفاة ومعذبة .. 



درويش: فلنبدأ مصافحتنا هذه من الأحداث العالمية التي لاشك أن للشاعر رأياً فيما يحدث وأن يكون له دور وتأثر ربما ؟ 
إذا كنت تقصد ما حدث في 11 سبتمبر وهذه أو غيرها فهي انتفاضات شعوب مقهورة انتفاضات جماعات مظلومة ، فنحن المستضعفين لم يتركوا لنا سبيلاً لأخذ حقوقنا أو لمعاملتنا كبشر أو كآدميين ، نحن في حالة من التعرض للنهب والسلب والاجتياح والضغط والاحتقار والإذلال هذه طرق مختلفة في ارتجاف الضحية من أجل المقاومة . 
قد تكون هذه الارتجافات خاطئة أو في غير مكانها الصحيح أو في غير زمانها أو في غير أهدافها العميقة ، وإنما لايُفهم ما يحدث في العالم إلا باعتباره تطاحنا رهيباً بين جبابرة ومستضعفين وبين أقوياء وضعفاء ، بين طامعين ومطموع فيهم ، بين من يملكون ومن لا يملكون،  هذا التطاحن العالمي  الموجود يفضي إلى هذه الانتفاضات والارتجافات العصيبة والدموية والعنيفة لأنه لم يترك لشعوبنا وسيلة واحدة حقيقية للمقاومة والنضال سواء، نحن بين شقى رحى هذه الأنظمة العالمية الجبارة الاستغلالية المستعبدة والمستبدة وبين شق آخر من الرحى وهو شق الأنظمة التي لا تسمح بالتعبير عن الرأي ولا تسمح باتخاذ موقف وليست لها رؤية واضحة ولا تقف موقفاً مماثلاً لمواقف شعوبها هذه الانشقاقات المستمرة ، وهذا الصراع العالمي الذي لم يعد عقلانياً ولم يعد متمتعاً بقدر من الشرعية ولا بقدر من النمط والوسائل السلمية الهادئة لطرح آلام الشعوب وتغيير واقع الشعوب . من هنا نحن بين شق رحى القوى العالمية العاتية وشق الأنظمة الأعتى والعميلة لمصالحها ، ضيقة الأفق ، فهذه الفوضى العالمية وهذه الاجتياحات وهذه الاتهامات المتبادلة هي نتيجة طبيعية لشرور  لهذه القوى . 
والشعر بالطبع مرفأ ، أو من المرابطين لرؤية هذه الوقائع والتعامل معها بتأمل أخلاقي وجمالي وفني وبتحديد مواقف ، نحن المستضعفين في الأرض لا يسمع لنا أحد صوتا ولا يقيم لنا أحد اعتبارا ،هذا الازدراء وهذه الزراية وهذا الاحتقار الذي نُعامل به من نتيجته هذه الفوضى الدموية في رد الفعل .
 إنني لا أستطيع من مقعد المستريح الهادئ أن أطلق إدانة لما يسميه العالم بالإرهاب ، هم الذين أحدثوا مجازر في التاريخ لا مثيل لها .. هم الذين قتلوا خمسين مليونا من البشر في الحرب العالمية الثانية ، هم الذين اغتصبوا ثروات الأمم هم الذين حكموا على الشعوب بالجوع ، هم الذين حكموا على الشعوب بالمذلة والهوان هم الذين زرعوا الكيانات المصطنعة هم الذين قسموا الحدود بين  القبائل في أفريقيا حتى تتناحر إلى الأبد ، هم مجرموا التاريخ الإنساني فكل ردود أفعالنا ضدهم في هذا السياق سواء كانت خاطئة أو مصيبة .
 وبالطبع القصيدة لها علاقة بذلك ، لها علاقة بالتأمل في هذا الصراع العالمي هذا الصراع الذي لم يعد يحكمه إلا القوة الجبارة والغبية ، فنحن كشعراء نمارس دورنا الذي نقدر عليه بالكلمة بالتأمل بالفهم بالإشارة ، فهذا القرن الواحد والعشرون افتتاحياته كلها تنبىء عن تاريخ جديد عن تاريخ الاغتصاب وانتهاك حرمات الأمم وانتهاك القيم والثروات فلابد من المقاومة بكل السبل بالعمل وبالكلمة وبالتنمية والإصغاء لصوت الضعفاء والحقائق العميقة لهموم البشر ، فلابد أن يكون ذلك من مشاغل القصيدة في هذا القرن . 

درويش- بما أنها ليست الزيارة الأولى لليبيا ، كيف رأيت الواقع الثقافي الليبي المعاصر ؟ 
عفيفي مطر - أعرف هنا أصدقاء ومثقفين كثيرين منذ ربع قرن وإذا أردت الصراحة الوضع الثقافي هو الانعكاس المباشر في المنطقة كلها في ليبيا أو غيرها لاشك أن هذا التدهور السياسي وهذا الضعف وهذا التشتت وهذه الحيرة كلها جزء من تكوين الثقافة العربية من الخليج إلى المحيط وليبيا يصدق عليها ما يصدق على غيرها . 
لاشك أن سلطة المثقف قد تقلصت واندحرت ، ولاشك أن حرية المثقف في تأسيس مؤسساته وفي تكوين تجمعاته وفي إصدار منشوراته قد تدهورت وتقلصت في كل الوطن العربي ، أرى في الثقافة الليبية وهي جزء من الثقافة العربية وليست ثقافة مستقلة استقلالا نوعيا نفس المشاكل نفس الظواهر لكني أحس بهذا التململ وهذا الضجر من الركود ومن عدم التجدد ومن ضيق فرصة التعددية وضيق فرصة حرية التعبير وحرية النشر ، ويصدق هذا على ليبيا وعلى مصر وعلى كل البلاد العربية . 

درويش - خارطة الشعر الليبي أين تبدأ عندك وأين تتوقف ؟ 
عفيفي مطر- تبدأ من شعراء الستينيات ولاتتوقف إلا في هذه الفترة وأنا أحيي شعراء ليبيا وأصادق عددا كبيرا منهم وأقرأ لهم ، على الأخص "محمد الفقيه صالح" و"إدريس بن الطيب" وقصيدة النثر على يد "مفتاح العماري" و"محمد الكيش" وآخرين . 
مأساة الثقافة العربية في عدم التواصل والتبادل المستمر وكأن الحدود السياسية المرسومة على الخرائط هي سجون تسجن الكتاب والصحيفة والمجلة ، ومشكلة توزيع المنتج الثقافي في الخريطة العربية كلها ذات مآس لا تتوقف . 

درويش - هل لدى الشاعر رؤية ما ، وهل تبادل دوره مع السياسي فارتهن بذلك .. 
عفيفي مطر  / أولا هناك فرق بين شعر السياسة وسياسة الشعر ، شعر السياسة هو الشعر المواكب للأحداث السياسية والمواسم والأعياد والظروف المتغيرة أما سياسة الشعر فهي سياسة تغيير الوجدان والتأسيس لرؤية العالم والتأسيس لمفاهيم الحق والخير والجمال ، ومخاطبة ما هو خالد في الإنسان والبحث والتأمل فيما هو متغير من ظروف البشر وظروف المجتمعات ، الشعر له دوره الخطير وما تقلص دور الشعر في أمة إلا ازداد نفوذ وبطش السياسي الذي يتخبط في الرؤية  الضيقة . 
الشعر رؤية عامة للحياة ، فهم للماضي والحاضر وإشارة للمستقبل ، وإشارة إلى الإمكانات الروحية والعقلية والنفسية لدى الشعوب ، في علاقة السياسي بالشاعر في مجتمعاتنا الحقيقية أن الحكومات والسلطات السياسية لا تقبل من الشاعر أن يكون مغايرا ، تريد من الشعر أن يكون بوقا وأن يكون صوت السلطة فيلجأ الشعراء المعاصرون إلى ما يسمى بالهامش أو التهميش فيعيشون في هامش الواقع الاجتماعي وفي هامش التأثير السياسي والاجتماعي المباشر ولكنهم يمارسون دورهم في المتن الحقيقي للحياة متن الروح ومتن العقل ومتن القيم الإنسانية الكبرى ومتن الدفاع عما هو أصيل في الثقافة وضد متن ما هو مزيف . 

درويش - هل سُلب من الشاعر هذا الدور لصالح السياسي ام أن الشاعر ترك هذا الدور بذاته في حمّى اختلاط الأوراق ؟ . 
عفيفي مطر - الشاعر سُلب منه هذا الدور ، لقد حوصر الشاعر بقوى الأمن وبالسجن والمعتقلات وبالتجويع وبالتهميش وبتضييق فرص الاندماج في الحياة العامة . 
الشاعر والمثقف له هامش ضئيل خارج المتن ، ومن يعيشون في قلب المتن من الشعراء والمثقفين هم الضالعون والمفيدون المقيدون للسلطات السياسية والاجتماعية ، أنت تسمع الكثير جدا من المؤتمرات والندوات والاحتفاليات والمناسبات الثقافية الكبرى وهي في حقيقتها في إطار ما يخدم السلطة وليس في إطار ما يخدم الحقيقة ! 
هذه الأدوار سلبت ، لأننا وقعنا في مأزق بدأ بانسحاب أو بطرد القوات الأجنبية أو الاستعمار من بلادنا فأصبح الحاكم وطنيا، ظلمه وعسفه وسجونه ومعتقلاته أصبحت تنشأ باسم الوطن ، من قبل كان كل النضال ضد معتد أجنبي وعدو واضح مجسد له وجود المباشر والعيني ، الآن اختلط الأمر.. اصبح الحاكم أو السلطات تستبدل نفسها أو تستبدل الوطن فهي الوطن وهي الأمة وهي الصالح العام وهي المستقبل وهي الصواب وهي المحتكرة للحقيقة ، وللعمل فهذا الشغب المتبادل أضعف من دور الشاعر وأضعف بالتالي من دور السلطة التي لاتريد أن تستنير بالرأي الحر الحقيقي الصادق للمثقف في أوضاع المجتمع ، فلذلك يظلون سادرين في أخطائهم وحيثياتهم وكوارثهم دون أن يسمعوا لأحد . 

درويش - هل انسحب هذا شخصيا على الشاعر عفيفي مطر ، وكيف كان أثره في شعره وأدبه ؟ 
عفيفي مطر - هذا الضيق وهذا التضييق على الحرية وعلى وصول الكلمة للقارئ لأن المسألة أيضا أن أدوات النشر أصبحت ملك السلطة وقنوات التواصل مع القارئ للتأثير فيه لتغيير نفسه ووجدانه وعقله أصبحت مقطوعة ومحتكرة في يدها .
نحن نناضل نضالا عجيبا فقط كي تصل كلمتنا إلى القاريء والمتلقي وأن تصبح قصائدنا غذاء متاحا وعملا مبذولا .
لقد حُذفنا من الدراسات في الجامعة ، وحذفنا من كتب تعليم اللغة العربية للأولاد وحذفنا من البرامج الإذاعية والتلفزيونية ، وأصبحت طرق التواصل مع القارئ والمتلقي هي هذه السلطة فمن رضيت عنه أتاحت له كل شيء حتى وإن كان تافهاً ومن غضبت عليه حرمته وجوعته وهمشته وأظلمت طرق العمل وطرق التواصل مع القراء . 

درويش: يخرج علينا شعراء من تحت رداء الناس بين المشاهد والغيبي وكأنهم آلهة . بطقوس غرائبية وإيحاءات ألوهية والتاريخ الإسلامي مليء بذلك .. واليوم حين يصل شاعر ما إلى مكانة قد تكون وضعته فيها وسائل الإعلام أو السلطة يصبح رمزاً لا يجوز الاقتراب منه إلا بالتعظيم والتبجيل . 
عفيفي مطر: هذا صلف وكبر وادعاء وثرثرة فإنه وهنا يا سيدي ما يسمى الذوق ، من لم يذق لم يعرف ومن ذاق فلن يستطيع نقل هذا مهما كانت قدرته . وهذا موضوع لا أحب الخوض فيه فالله تعالى علوا كبير من أن يكونه ويتماهى معه بشر مخلوق . 


درويش:في زحمة مطالبة الشاعر بهذه الحرية بفتح ثقافات ، بتعددية الرأي والرأي الآخر يخرج باسم حرية الفكر والثقافة أنواع من العقلانيات وتفاسير واختلاطات وتجريح لمقدسات وحدث مثل هذا في مصر فما رأيكم حول هذه النقطة ؟  
عفيفي مطر: هؤلاء الذين يريدون أن يكسروا  تابو الدين والجنس والسياسة ، لكنهم عادة يلجأون إلى التابوهات التي لايضيرهم كسرها ولا يدفعون ثمناً لهذا الكسر ، هم يستطيعون أن يكسروا تابوه الجنس والدين والسياسة لكنهم لايستطيعون أن يكسروا تابوه وزير الداخلية ولاتابوه الأبناء والحفدة الذين ورثوا الأوطان ، ولايستطيعون كسر تابوه سرقة البنوك ونهب الثروات ؟ 
أما هذا التابوه السهل الذي لا يدفع له ثمن هو دليل على انتهازية الشاعر والمثقف هذه الانتهازية احتقرُها وأرفضها ، إن كنت رجلاً إما أن تكسر التابوهات فهناك من التابوهات التي تحرم الفقير من اللقمة والعاري من الكساء والجاهل من التعلم ،أكسر هذه التابوهات التي استقرت عليها وجدانات الأمم والشعوب ، ليس معنى هذا أنني أنادى بالجمود وعدم البحث لا .. إنما لابد من معرفة المعركة التي تخوضها والسلاح المناسب وليست معركتي أن أهدم  هذه التابوهات . 

درويش: هل تسمح أن أضع بين قوسين ( تعريفك للاجتهاد ) خصوصا الديني منه . 
عفيفي مطر:كل فكر حر يعيد النظر فيما هو موروث أو ما هو قائم دون أن يكون ذلك لمصلحة أو لغاية مؤقتة أو للبس أقنعة مزيفة . 
أما سهولة أن تلبس قناع المتمرد أو قناع الثائر أو أن تأخذ موقفاً ضد ما هو مستقر أو شائع أو ما هو متعارف عليه دون أن يكون لذلك أصالة موقف وصدق وتجذر اتجاه فهذا عبث يغري بنا السلطة "لا أتكلم عن الاجتهاد الديني بل الثقافي " ويغري بنا أصحاب البنادق والمسدسات ويغري بنا مالكي مفاتيح الزنازين والسجون . 

درويش: رأيت كما رأى المواطن العربي سقوط هذا التمثال الذي كان - في يوم ما .. وأنت الشاعر الذي عانى الظلم والطغيان كيف كانت قراءتك لهذه اللحظة وأبعادها على المنطقة ؟ . 
عفيفي مطر - أولاً ، لا يُسقط التمثال إلا من يثور عليه من أهله ولا يمزق صدر الحاكم إن كان طاغية أو غير ذلك إلا شعبه ، أما أن تدخل قوى أجنبية لها غايتها المعروفة ، ولها في لحومنا طعنات لا تحصى ، ولها في ثرواتنا أساليب نهب واغتصاب ، ولها غايات سياسية في الهيمنة على العالم بناء امبراطورية عالمية جديدة لا يمكن لأحد إلا أن يكون ضد هذا ، وإن كان الحاكم طاغية فليسقط الشعب تمثاله من نفسه أولاً ومن ثقافته ومن مكانه وبيده هو ، ومادام الشعب لم يسقط هذا التمثال فأنا لا أفهم فرصة سقوط تماثيل أو تمزيق صور ، كم تحطمت تماثيل من أجل بناء تماثيل أعتى وأشنع ، وكم مزقت صور  طغاة من أجل طغاة آخرين أكثر طغياناً ، التاريخ ليس لحظة عابرة إنما هو كل يتحرك أمامنا ، أنا لا أستطيع ولم يحدث أن دافعت عن طغيان أو ظلم أو دافعت عن غطرسة أو عن سياسات تعذيب لم يحدث أن وافقت أو سايرت أي مظلمة أو أي ظالم ، لكنني أفهم معنى ما يحدث في إطار حركة التاريخ وحركة هذه الصراعات الجبارة التي تحدث في العالم الآن وفي موجة الإهانة والإذلال وانتزاع أقدار الأوطان وثرواتها ومصائرها ولذلك سقوط التمثال أو عدمه كل ذلك كتدمير المفاعل النووي أو حصار ليبيا أو حصار إيران كل ذلك يدور في إطار حركة تاريخية لإحلال امبراطورية مكان الإمبراطوريات السابقة وجزء في هذا الصراع الحضاري والثقافي والاعتقادي بين الشمال والجنوب بين من يعتبرون أنفسهم الأجناس الأرقى وبين من يتصورونهم أجناساً أخرى ومجتمعات أكثر انحطاطاً مع استخدام مصطلحات هي شتائم وليست مصطلحات معرفة كالتقدم والتخلف والديمقراطية والدكتاتورية ، هذه المصطلحات كالحق الذي يستخدم استخدام الباطل ، إنهم لم يأتوا إلى بلادنا ليجعلوا شعبها تعددية وديمقراطية لأنهم لا يعرفون شعبنا ، ونحن أيضاً المثقفين العرب والمسلمين لا نعرف مجتمعاتهم ،هناك انحطاط رهيب في العلوم الإجتماعية التي تدرس واقع المجتمعات  وتكوينات هذه الشعوب . ما من فكرة يتبناها المثقفون العرب والمسلمون من أفكار الغرب ونجحت أو أنتجت أو استقام بها أمر من الأمور ذلك أن الأفكار والسياسات إنما هي أغطية لمصالح وأغطية لنزاع رهيب مسلح ودموي وعنيف . 

درويش: الشاعر عفيفي مطر ، ماذا تركت للشعر؟ . 
عفيفي مطر: تركت للشعر عمري ، وما استطعت إنجازه قبل أو أكثر وتركت للشعر روحي وكل زمني، تركت للشعر ما يمكن أن يكون عنصراً من عناصر تكوين شعراء آخرين يأتون يكتبون شعراً أفضل ، ويكتبون قيما أعلى ومسارا أبهى ، تجذراً  وعملاً ، وبهجة . 

درويش :ماذا ترك لك الشعر ؟ 
عفيفي مطر: ترك الشعر لي الكثير ، ترك لي حرية الضمير والعقل والروح ، وترك لي بهجة اللغة ، وترك لي حرية الخيال ،  واكتشاف حرية الخيال . وما منحنيه من أحباء في كل مكان وأصدقاء في مكان وهذا كثير كثير . 

الجمعة، 21 نوفمبر 2014

مقاطع مستهلكة



                                                               شعر/ خالد درويش
         (1)
ما أشرقت شمس فإن الليل قائم 
وأومن بالظلام 
بالمحيا في سواد الماشطات 
على قلب تضرج بالكلام
 معللتي تكاد أضلعنا تقر 
فهيا للمواجع والغرام 
لأسمع من صليل النار حرفا 
 يؤجج مهجتي يكوي عظامي

         (2)
وحدي 
كما الأطلال والدمن
انتقي حلمي بلا كدر
 وأبصق ملء وجوههم
 حزني 

        (3)

أصدقاؤك من شجر 
لا بل من حجر
 مرّوا كلمح بالبصر
 لا تبك الوفاء ولاتنح 
 كالريح أرقها الضجر 
هذي جبلتهم 
والغدر من طبع البشر 
        (4)
ماذا دهاك اليوم يا بحر
 لأنت كمرجل يغلى 
وقلبي موقد جمر 
علاك جنون لست أعهده 
وعلاني التهويم والضجر

       (5)

قفص أنا
 فيا عصفور الشجرة
 خذني 
حيث الجدة تحكي لليل العربي 
أقاصيص الحرية 
         (6)

جئت تسعى مثلما العاصفة 
تواري زمانا من العار
 والمستحيل 
 غارسا قبلة الصمت الذليل
 بأحداق هذا العناق الطويل 
لا بد من دفتر الغيب الكئيب
ولا بد من أغنياتك النازفة
 بالصدى والعويل   



الاثنين، 13 أكتوبر 2014

في مديح الصمت أو (مت بداء الصمت)


من الذي شرّع  حكمة الصمت
  وحثّ عليه ، 
وتسابقت النصوص المقدسة في مديحه .
 اللسان الذي يدل على العورات 
والذي يقضي حاجة العقل بالإفصاح  ،
 والذي ينشد قصائد الذم والمدح 
 ويهمس في الآذان معرضا بعيب ،
 أو ناقلا لخبر أو باثا لإشاعة .
        ــــ  اللسان الذي تقول له الجوارح في كل يوم : اتق الله فينا فبك نؤخذ ، فإنك الحربة التي  تجر علينا الداء ، فاصمت ولا تنطق جزافا .
       ــــ  ( واعلم  أن لسانك أداة مصلتة ، يتغالب عليه عقلك وغضبك ، وهواك وجهلك ، فكن غالبا عليه مستمعا به ، وصارفه في محبته ، فإذا غلب عليك عقلك فهو لك ، وإن غلب عليه شيء من أشباه ما سميت لك فهو لعدوك ، فإن استطعت  أن تحتفظ به وتصونه فلا يكون إلا  لك  ولا يستولي عليه أو يشاركك فيه عدوك فافعل ) 
فهذا ابن المقفع  في هذه الفقرة يوصي بحفظ اللسان  وأن لا يستولي عليك فيشاركك فيه عدوك ، وهنا يرسل عبد الله رسالة إلى الخلق ، وأولهم جماعته بالإحاطة بالكتمان  في تدبير شؤونهم فهو ابن المقفع  ربيب القصور ويعرف ما يحاك فيها جيدا و قريب من الإدارة السياسية بل وأحد صناعها وستختلف عليه ،  فيقع بين براثنها ويحمى في تنورها  .
أما أبو نواس في أبياته الشهيرة فيرسي قاعدة لست أدري من المستفيد منها هل الحاكم وحاشيته أم المعارضة المستترة ؟ فالصمت مفيد في كلا الحالين ، فجهاز الدولة  يروّج لهذه الفضيلة من باب الترهيب وأن يموت المرء بدائه  خير فاللسان مصدر القلاقل (والنكت السياسية)  فعليه أن يخرس من جهة وأن يحذر من الجهة المقابلة  لأن فيه إفشاء لأسرار وتحوطٍ لمكيدة أو انقلاب ناجح إن أُحكمت الأفواه جيدا .
             مت بداء الصمت خير  لك من داء الكلام 
              إنما السالم من ألجم  فاه بلــــــــــــجام  3

فالصمت أصبح منهجا تؤلف فيه الكتب وتصاغ له الأمثال وتصرف الأموال في سبيل ترسيخ هذه الفكرة ، فالجاحظ في كتابه البيان والتبيين جمع هذه الأمثلة وأكثر منها أنتقي بعضها هنا مثل :                        ( اسمع فاعلم واسكت فاسلم )
                         ( رحم الله  من سكت فسلم ) 
                         ( مقتل الرجل بين فكيه )
                         ( اللسان سبع عقور ) .
وهذا الجاحظ أيضا الذي ألّف الكتب وخالط الدولة والسلطان وأخذ عطاياهم وأجريت عليه الأرزاق ، الجاحظ ابن المؤسسة العقلية يحث على السكوت وأن يموت المرء المسلم بدائه ، لعله داء الحسرة والقهر  خصوصا حين يعلم أن خراج بغداد وحدها  بلغ في عام واحد ( ثلاثمائة ألف ألف  ) في ذلك الوقت أو حين يعلم أن زواج  بنت الفضل بن سهل ( كان يعادل خراج البصرة لعام  )
و يأمرنا عبد الله بن المقفع  في أدبه الكبير والصغير  بالسكوت وإن اختلفت غايته عن غاية الجاحظ فيقول : 
( إلزم السكوت فإن فيه السلامة )
( أفضل خلة العلماء السكوت )
( أعضل ما استضل به الإنسان لسانه ).
والعلماء  الذين هم ورثة الأنبياء هم المأمورون  بالسكوت خصوصا لأنهم يعرفون أكثر ويقيسون الأمور و الأحوال بمقياس غير مقياس العامة  فإن تكلم  العلماء أو أشاروا إلى  خطأ ما فإن الرأي معهم وكذلك الناس فالأوجب أن  يصمتوا وإلا ! ( إلزم بيتك ) كما حدث للإمام أبي حنيفة.
ولعلنا نلاحظ في هذه الأمثلة  كلمة السلامة وتسلم وسلم والتي توحي بأن خلفها تهديدا مبطنا من القائل فاسكت تسلم وإلا فإن لك معيشة الضنك إذ ليس لك أن تغير من الأمر شيئا  إلا بقلبك وذلك أضعف الإيمان .
إن نظرة خاطفة إلى كتب التراث التي وصلتنا والتي نشأت عليها حضارة أمة وفكرها ووجدانها ، تجد تلك السيطرة الواضحة لمفاهيم نرتع فيها  لحد الآن  من غياب الحرية وتكميم الأفواه بغية عدم التعبير ( مت بداء الصمت) وتلك الأمثلة التي تكرس الخنوع والذل وتجرع المهانة  فكل ذلك لصالح من ؟ هذه الكتب التي تأمر وتنهى في ذاكرتنا ووجداننا وعقلنا اللاواعي  لصالح من  يا ترى؟  فحتى ابن المقفع نفسه لم يكلمنا صراحة وإنما مرر ما يريد  خلال الفيلسوف الهندي وعلى لسان الحيوانات  فهذه التقية اللسانية المرتجفة من يؤجج سعيرها  ويضع لبناتها ؟ إنها حلقة تتسع منذ أن أبحر أول سيف في عنق صحابي  غيلة وغدرا لتلقى التهمة على الجن 4 ومنذ أن قال البشر الفاني  ( أنا ربكم الأعلى ) وظله في الأرض .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــخالد درويش / ليبيا

خطى يعقوب


( حلم المهدي ذات ليلة أنه أعطى لأبنيه قضيبين فأورق أحدهما ، ولم يورق الأخر فقام فزعا  )  الطبري

كأني أعطيت لهذا سيفا من نار
 ولهذا درعاً من ثلج
 أيهما يصل الشاطئ 
يورق أخوان بفرعين،
 ويكسر ثلج الأحزان
 بنيران الصلح ليمرق سهم العرش 
على كف تختلج،
ولداي على مركبتين،
 ونيران الثورة في أقصى البرج، 
تسبّح للخبز الغافل،
 في حقل الدم الراكض، 
عبر شقوق الملك،
 لكني أسمع صوت القارئ، يقرأ نهلكهم 
ويرتل بالزنج 
مفاتيح الباب المرصود،
 ابناي، تعالا اشتم خطى يعقوب،
 وأرمي بالجب على قدمي يوسف ، 
جبة صوفي، 
كاحل غانية، 
كرسي يعبق بالند،

 سروج الهبة ، مغاليق الفتح لشعراء القصر العاري ،
 من وشم طقوس الحارات السفلى ، والناس السفلى ، 
ليقام الحد
 على فاطمة إن سرقت مُد ، 
ابناي الموجة تكتح إصبعها في وجهي ،
 وأنا سأغادر كي أترك إزميل القلب ، 
سيورق ، 
والأخر بالأخر يهلك،
 هل نملك للأتي الموحش من رد .
 ينثال الترتيل على ريشة حداد ، 
تحنو كالمخطوط الطفل ، 
دماثته كهف العشاق وقبر الأخطاء ، 
جنته فص الشهوة ، قدح 
وما بين القوسين دماء ، 
 الفقد مليمُ والثابت مرفقه ، 
كالبجع البيت يلوذ بمهجته ،
 علّ السعي يلامس آهة لقياه ُ .
وعول التوق، ال تستل الحزن بذاكرة الأسماء، الحزن الغارق في القيلولة، بنشيج الأركان الرثة يرمق أشباح، السفر المأمول يناجز أرشيف، الرغبة الموت قصيدة دم وردة نوم، الوحشة تذهب كالذئب القاطع، بمخاض، شغفُ الناسك يرمي الشعر بسكين الجثة، يتكاسر كفن منتخب، مخطوف البرق مداه الفاتن صندوق ذهبي كامرأة تلثغ بالغابة لاتحسن توديع الرائحة بدن الوحش المكبوت نبيذ أزلي الكحل، نجمة وعد تتلقف بوصلة الديدان الأول يشكمني الموقف والموت وحضرة طرقات المزبلة بلا وحش يوغل في جرح الشاعر في السقف تهدج أسئلة الموقف ذاكرة النص القصل المثقوبة بالوحل الغزو الواسع كجيوش النصل المخلوق الأول، يلبس هذا الموت المجاني أجمل حلته يستأذن كي يدخل لكنه يعرف أن الهيكل مشكاة والصدر مضاء بوصلة الروح ابناي تئن .. 
بأحلام الناس وبالخبز المشنوق على الطرقات . 
____________________________________ خالد درويش


سبتيموس سفيروس ( الليبي الذي حكم عرش روما )


                                                                خالد درويش / ليبيا
تبوأ لوكيوس سبتيموس سيفيروس عرش الإمبراطورية الرومانية يوم 9 أبريل 193 م إلى أن توفي في مدينة يورك بانكلترا خلال شتاء 211 م بعد حكم استمر 18 سنة واستمر حكم أسرته لغاية سنة 235 م  وبعد مضي 50 عاما من نهاية حكم آخر آباطرتها تردت الامبراطورية الرومانية في مهاوي الأزمات والانقسامات والفوضى ، وبعد أن قضى الجنرال الليبي الأصل بودينة على الامبراطور كومادوس بالتعاون مع الجنرال لواتيس الليبي الأصل أيضا أتيح لرجال لبدة من الإمساك بزمام الأمور وكان ممثلهم (سبتيموس سيفيروس) .
ولقد تحامل المؤرخون الغربيون على سفيروس ونعتوه بأقذع الصفات فقد ذكر  هاسبيروك : ( كان من الخطأ أن يتسلم مقاليد امراطورية الروم هؤلاء القساة الذين يحملون عنصر التدمير الذاتي ويجهزون على حضارة البحر الأبيض المتوسط ) ، يقول الكاتب ميللر ( نقش الامبراطور سيفيروس  هويته على قطع النقدوأعلن عن جنسيته وأصله في سياسته الواضحة لقد كان هذا الرجل بعيدا كل البعد عن العادات والتقاليد الرومانية .
أما بيقانيول في معرض حديثه عن الأباطرة الروم فيقول ( لايحمل سفيروس شعورا وطنيا لبلاد الروم وإنما كان يسعى لاستعادة ذكرى هنيبعل ) .
ولكن من هو سبتيموس سيفيروس هذا الذي حكم روما ودوخ الامبراطورية الرومانية وزرع الهلع في قلب اوربا وكتب ابنه كركلا انتصاراته على معابد بعلبك وصور ؟
في اليوم 11 أبريل سنة 145 م أنجبت ( فوليفيه ) زوجة المواطن اللبدوي ( نسبة إلى لبدة ) المدعو سبتموس غيظه الطفل الذي سيكون بعد ذلك سبتيموس سيفيروس كان ذلك في مدية لبدة الغنية المستعمرة الرومانية منذ جيل واحد خلال عهد الامبراطور انطونيو بيوس الذي تميز عصره بالرخاء والسلام
وقد اطلق على المولود اسم جده لأبيه (سبتيموس سيفيروس ) وكانت مدينة لبدة مع مدينتي أويا وصبراطة على درجة من الغنى والرقي والحضارة .
لعبت مدينة لبدة دوراً رئيسياً في المجالات التجارية والثقافية والمعمارية فكانت همزة وصل ما بين المشرق والمغرب وبين أفريقيا وأوربا وكانت مركزا للقوافل بعد ظهور الإبل لأول مرة خلال هذا العصر وسوقا مكتضة بسلع الشرق والغرب بالإضافة إلى كونها حقلا منتجا لكل أنواع البقول والحبوب والفواكه .
كانت قبائل كتامة ومعدان زأنواجه تقطن مدينة لبدة وضواحيها وتتحدث اللغو الليبية القديمة وهي مزيج من الأرمية والفينيقية والعربية التي كانت متداولة منذ الألف الثاني قبل الميلاد ، وإلى هذه القبائل القديمة ينتسب آل سيفيروس الذين استطاعوا أن يحافظوا على لغتهم بجانب اللغة اللاتينية كما حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم التي لم يستطع أباطرة الروم تذويبها في المجتمع الجديد ، كلن سكان ليبيا القديمة على صلة وثقى مع سكان نوميديا ( الجزائر وجنوب تونس حاليا ) وقرطاجنة وكثيرا ما تحالفوا ووقفوا صفا واحدا ضد مطامع الروم .
كانت ليبيا وفنيقية ونوميديا وقرطاجنة تشكل وحدة متجانسة وقدانتجت جميعا حضارة يشار إليها بالبنان في منطقة شمال أفريقيا وأسماها المؤرخون (PUNIC  CIV ) حضارة المغرب .
لقد اشرأبت أعناق الروم متطلعة إلى هذه المنطقة التي أسموها مخزن الغلال والكروم والزيت في العالم القديم وبدا الصراع بين الفريقين واوشك هنيبعل قائد جيوش افريقيا الشمالية أن يدك معاقل روما بعد 13 عاما  من القتال المرير فوق هضاب روما وجبال اللب ولكنه أخفق وانسحب ولاحقته جيوش الروم ثم منيت بهزيمة سنة 256 ق م وأقدمت على محاولة أخرى وفشلت ولكنها أخيرا انتصرت في معركة( زامه ) وفي سنة 149 ق م وأعلنت روما الحرب للمرة الثالثة وقضت على قرطاجنة بعد كفاح طويل وأضرمت فيها النيران ثم حرثتها حرثا كدليل على محوها من الوجود .
كان سفيروس الطفل يذكر أهله وهم يودعون شقيقه الذي غادر مدينة لبدة في مهمة رسمية ثم التحاقه بفرقة أغسطه الثانية التي كانت تقمع تمردا في انكلترا ، وفي سنة 161 م مات الامبراطور بايوس وخلفه ابناه بالتبني  ماركوس اورليوس وفيروس على العرش ، كانت الامبراطورية في حالة توتر شديد وتلوح في الأفق بوادر التمزق منذ أن انتهكت بنود اتفاقية أنطوين للسلام الطويلة الأجل وتصدعت التخوم الشرقية وبدأت قبائل الجرمان تهدد التخوم الشمالية وحدثت قلاقل في بلاد الانكليز .
تلقى سبتيموس سيفيروس دراسته الأولية في مدارس مدينة لبدة ، كانت لبدة تحمل سمات المدينة العصرية بمظاهرها التي تتجاى في المسرح والملعب وميدان السباق والرياضة العنيفة ، فقد كان مسرح لبدة مشادا منذ منذ أكثر من قرن ونيف وتمثل على خشبته المسرحيات الفكاهية وشتى وسائل اللهو والتسلية والروايات الهزلية والمحزنة والهادفة التي تعالج المشاكل الاجتماعية .
واصل سبتيموس سفيروس تحصيله في روما حيث تعلم اللغة اللاتينية وترقى من الكتابة والقراءة إلى تفسير النصوص والتدرب على الجدل والخظابة ، كان قليل الكلام لكنه قوي الحجة تغلب عليه اللكنة البربرية عندما يخطب باللغة اللاتينية .
كانت الجنسية الرومانية المفروضة على السكان داخل أسوار لبدة واويا وصبراطة قد أفقدت أولءك الليبين جنسيتهم الأصلية عنوة ولكنها مهدت لسبتيموس سيفيروس أن يواصل دراسته في روما وان يتدرج في سلك العمل الرسمي والعسكري حتى يتبوأ على عرش قياصرة الروم ، وعندما وصل إلى روما كانت المدينة في حالة توتر شديد بعد استقرار دام ربع قرن في عهد أنطونيموس بايوس ، اتخذ ماركوس اورليوس الامبراطور الجديد تدابير سريعو على جميع الجبهات المختلفة فقد توجه شقيقه لوكيوس فيرس إلى الشرق  فعين الجنرال بريكيوس حاكما لشمال تركيا  وكذلك عين أفاديوس ابم معلم الامبراطور وهو ليبي الأصل حاكما لألمانيا العليا ، كانت هذه التغيرات في المناصب الادارية العليا قد حصلت قبل وصول الطالب سبتيموس سيفيروس إلى عاصمة الروم وبعد ذلك عين سبتيموس سيفيروس نائب مامور منطقة باتيكه تحت إمرة كورنيلوس ثم تقرر أن يغادر روما متوجها إلى جنوب اسبانيا .
أصدر الامبراطور ماركوس اورليوس وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة امرا بترقية سبتيموس سيفيروس إلى رتبة أعلى بعد أن تألقت عبقريته العسكرية المبكرة في حروب الجرمان والغالة والقوط بشمال أإوربا وقد أسندت لع قيادة الفرقة الرابعة ( سكايثيكه) في سوريا خلال الفترة التي مات فيها الامبراطور وفي تلك الفترة تعرف على زوجته السورية ( جويليه ) وكانت فترة واجه متاعب كثيرة أبان المدة الأولى لحكم كومادوس المفعم بالدماء والمؤامرات ، كان قد تعرف إلى جويليه ابنة باسوس السوري في هيكل بعل ببلاد الشام .
في جو مكفهر مشحون بالتوتر والاضطرابات والاعدام بالجملة بدأ نجم سبتيموس سيفيروس في الصعود منذ تعيين لواتيس ــ من قيبيلة لواتة الليبية ــ  قائدا للحرس الامبراطوري وشقيقه ( بوذينه) ياورا للامبراطور فانتقل سبتيموس سيفيروس حاكما لولاية بانونية ( المجر والنمسا) ، وقد جرى هذا التغيير في أعقاب حمامات الدم وتصفية أعضاء مجلس الشيوخ والاغتيالات السياسية التي أضحت أمرا مألوفا اعتاد عليه الناس كل يوم وقد قدر بعض المؤرخين المعاصرين لتلك الفترة بأن عدد القتلى قد قفز في أحد الأيام إلى ألفي قتيل وقد سام وباء الطاعون في ذلك على الأرجح .
                           سبتيموس سيفيروس يحتل روما   
يقول المؤرخ الرومي ديو : دخل سبتيموس سيفيروس روما ممتطيا صهوة جواده وكانت البلاد مكسوة بحلل من أكاليل الزهور وأغصان الغار وكانت وجوه الناس مستبشرة متفائلة وسار الموكب إلى مبنى الكابيتول ثم إلى القصر وتوزع الجنود على المرافق الحيوية في المدينة .
ويذكر بيرلي أن سبتيموس سيفيروس أصدر قرارا بتسريح الجيش الذي كان مواليا لخصمه وفرض الاقامة الجبرية على افراده في منطقة تقع على بعد مائة ميل خارج روما وسيق بالفعل حوالي 5000 مقاتل وفارس من إصل إيطالي عنوة إلى المكان الذي اختير لهم خلال النصف الثاني من شهر يونيو 193 م وذلك بعد تجريدهم من السلاح والزي العسكري وقد مزقت ألبسة المترددين وأخذت الجياد من الفرسان وأجبروا على قطع المسافة سيرا على الأقدام .
أعاد سبتيموس سيفيروس تشكيل الجيش واستعان ببني قومه وبدأت دار صك العملة في اصدار نقد يحمل صورته وصورة لزوجته السورية والعهد المميز ( الرخاء الكرم الولاء) وكذلك صورة بعل وعمون الالهين المعروفين في شمال أفريقيا أنذاك.
واصل سبتيموس سيفيروس رحفه حتى بيزنطة وشمال افريقيا واسيا الصغرى فبعد هزيمة الامبراطور البنوس في معركة ( لوقدنوم) تشتت فلوله جيشه في جميع أنحاء اوربا الغربية التي استشرى فيها الفساد والسلب والنهب والفوضى وكان لابد من إعادة النظام وفرض سيادة القانون ، وقد عين سبتيموس سيفيروس بوذينة الليبي الأصل حاكما لآلمانيا السفلى وذلك خلفا للجنرال لوبوس الذي عينه حاكما لبريطانيا وعين الجنرال ماكس حاكما لبلجيكا وكلف الجنرال كندي دوس بالتوجه إلى اسبانيا ليتعقب الفلول هناك بالتعاون مع الفرقة السابعة المرابطة هناك والموالية له ، ومما يذكر أنه اتضح للامبراطور  سبتيموس سيفيروس أن الانكليز كانوا يؤيدون ( ألبونس ) تأييدا مطلقا وعندما تناهت إلى إلى أسماعهم أنباء هزيمته وانهيار السلطة واختلال ميزان الأمن تدفقت قبائل الانكليز الشمالية على قلاوشتسر ويورك وغيرهما وأخذت في افغارة والسلب والنهب وغتلاف المحاصيل وقد ذكر هيروديان المؤرخ الروماني المعاصر ( لقد قسم سبتيموس سيفيروس بلاد الانكليز مثلما فعل في الشام من قبل إلى مقاطعتين انكلترا العليا ويحكمها قنصل مقره في لندن وانكلترا السفلى ويحكمها نائب الامبراطور واختار لهذا المنصب أحد أقاربه ويدعى ماركلوس ،، وقد اتخذ تدابير رادعة ضد الفوضويين وصادر ممتلكات كل النبلاء الذين تحالفوا مع الامبراطور ألبونس ، وعلى إثر معركة لوقدونوم وصلت إلى الميدان في فرنسا وفود كثيرة للتهنئة ومن ضمنهم وفد من نوميديا ( الجزائر) وقد منح الامبراطور سبتيموس سيفيروس حكما ذاتيا لنوميديا وسمح لحنود الفرقة الثالثة بالمرابطة فيها وأن يستقروا  خارج المعسكرات مكافأة لهم على مابذلوا من تضحيات في سبيل سفيروس كما قرر إجراء اصلاحات في شمال أفريقيا وخاصة لبدة مسقط رأسه . 
في يوم 9 أبريل سنة 202 م أي بعد وصوله إلى روما بفترة كبيرة احتفل سبتيموس سيفيروس بالذكرى العاشرة لتوليه الحكم  وفي هذه الأثناء كانت حالة التوتر على أشدها في شمال أفريقيا بعد انضمام الفرقة العربية الثالثة لقبيلة لواتة في قورينة ( شحات ) واستمرار القتال في بونجين ما بين قبيلة النسامونييس او الجرمنت  والفرقة ( قاليكة) المؤلفة من الجنود السوريين بقيادة الجنرال فاوستوس وهو تونسي الأصل وقد تعرضت الحصون الرومانية من برقة إلى قابس لغزوات رئيسية ومفاجئة .
لقد ثار الليبيون على روما ،، فلماذا جددت القبائل الليبية هجماتها على حصون الروم الذين يتربع على عرشهم مواطن ليبي ؟؟
لقد كان شعار الروم خلال القرن الثاني بعد الميلاد هو :
ROMANOS  VERUM  DOMINOS  GENT )  
 (EMQUE TOGATAM
( إن الرومان الذين يرتدون ثياب السلام هم أسياد العالم ) ، استأنفت قبائل النسامينوس  نشاطها الحربي خلال فترة حكم سبتيموس سيفيروس وأخذت تغزو باستمرار الحصون الرومانية المتناثرة عبر الشريط الساحلي الليبي في سهول برقة ومسعد في أولاد نائل وبونجيم 
وعند زيارة سبتيموس سيفيروس لمسقط رأسه مدينة لبدة أصدر التعليمات للجنرال قالوس بوجوب تعزيز الدفاع ببناء استحكامات دفاعية تصدر غارات القبائل الثائرة وقد استمر بقاء هذه الاستحكامات من بعده خلال فترة ولاية ابنه( كاركلا ) الذي خلفه على عرش روما . داهم الموت الامبراطور سبتيموس سيفيروس يوم 4 فبراير 211 م وقد تفوه بىخر كلمة ناصحا مرافقيه أن يكونوا رجالا تربطهم رابطة واحدة قبل أن يلفظ النفس الأخير كانت آخر كلماته ( كنتُ كل شيء ولم أكسب شيئا فليتقدم الموت مسرعا ) 
 توفي الامبراطور الليبي الأصل سبتيموس سيفيروس الذي تربع على عرش القياصرة مدة 18 سنة وخلفه ابنه ثم حفيده من بعده واستمر حكم هذه الأسرة لغاية 235  م