الجمعة، 4 يوليو 2014

جائزة نجيب محفوظ تمنح الجائزة لوراق الحب . وأخبار أخرى



نشر بالشمس الثقافي

أعلنت لجنة تحكيم جائزة " نجيب محفوظ " في دورتها الرابعة عشر لسنة 2009 ، فوز الروائي خليل صويلح بالجائزة عن روايته "وراق الحب". ، وقد حضر الكاتب خليل صويلح إلى القاهرة لتسلم جائزته ، وقد شكر اللجنة لإختيارها عمله الروائي ، ولأنها منحته هذه الجائزة .

وخلال إستعراض لجنة الجائزة -التي ينظمها قسم النشر بالجامعة الأميركية في القاهرة- حسب تقرير كتبته عن الرواية واستحقاقها لهذه الجائزة قال بأن الرواية "تنفذ بحذاقة إلى ماهية فعل الكتابة ذاته من خلال تضمينها وتوظيفها لجمع من النصوص التي تتواصل وتتعارض معها في نفس الوقت".

واعتبر التقرير أن "الرواية ذكية ومؤلفها بارع في القص فهو يجيد فن الاستطراد والتناص دون أن يفقد بوصلة السرد".

وقد تكونت لجنة التحكيم من مجموعة من كبار النقاد هم من مصر جابر عصفور وهدى وصفي وعبد المنعم تليمة والمغربي محمد براده والأردني فخري صالح ومسؤول قسم النشر في الجامعة الأميركية ماركك لينز، وذلك وفق ما أعلنته مقررة اللجنة وأستاذة الأدب العربي بالجامعة الأميركية سامية محرز.

يشار إلى أن الروائي خليل صويلح المولود في مدينة الحسكة السورية عام 1959 بدأ حياته شاعرا عندما أصدر أول مجموعة شعرية عام 1982 والثانية 1986 والثالثة عام 2001.

وكانت رواية "وراق الحب" الفائزة بهذه الجائزة أول رواياته حيث صدرت عام 2002 وتبعها بعد ذلك ثلاث روايات هي "بريد عاجل" عام 2004 و"دع عنك لومي" عام 2006 وأخيرا رواية "زهور وسارة وناريمان" الصادرة عام  2008. 



بغداد تحتضن ذهب الشعر ..

أنطلق يوم السبت الماضي مهرجان بغداد الشعري الذهبي الأول والذي تنظمه رابطة شعراء بغداد، ولمدة ثلاثة ايام حيث أحتضن المسرح الوطني ببغداد حفل الافتتاح ، وستحمل هذه الدورة اسم الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة عنوانا لها، حيث حمل المهرجان جملة تقول (بتوقيع لميعة عباس عمارة)، سيتم فيها تكريمها الى جانب عدد من المبدعين الكبار وهم: المسرحي اسعد عبد الرزاق والمسرحي سامي عبد الحميد والباحث الشاعر محمد جواد الغبان والاذاعي نهاد نجيب والاذاعية خيرية جبيب والباحث سالم الالوسي والناقد علي عباس علوان والشاعر راضي مهدي السعيد، بالاضافة الى عدد من شعراء النجف ومؤرخوها: محمد بحر العلوم ومحمد حسين الصغير وكامل سلمان الجبوري ومحمد سعيد الطريحي .

هذا وسيكون شعار المهرجان تحت شعار (بغداد القصيدة والعراق المهرجان) ، وقد صرحت اللجنة التحضيرية للمهرجان قائلة : يأتي انعقاد هذا المهرجان من اجل اعادة هيبة الشعر العربي الاصيل، حيث ان ضبابية المشهد الشعري العراقي والصراعات بين المؤسسات الثقافية جعلتنا نختار ان نكون بعيدا عن كل المؤسسات الثقافية،وحتى الراعية منها، ونأتي بالشعراء ونجمعهم تحت خيمة بغداد التي لا خلاف عليها وان الشعراء ارتأوا ان يكونوا حمامة السلام في هذا المشهد الحالي.


مهرجان دبي السينمائي السادس يكرم أميتاب باتشان وفاتن حمامة . 

تحتفل دبي هذه الأيام بمهرجان دبي السينمائي السادس الذي أفتتح الإربعاء الماضي بحضور العديد من الفنانين وكبار نجوم هوليوود والفن والعربي والهندي ، كأميتاب باتشان وابنه الممثل أبيشيك باتشان ورانيير كابور وماموتي وسمير داتاني ومينيشا لامبا وسونو سود وجافيد جفري ، وأيضاً من النجوم العرب داوود حسين وعبير صبري وسمير غانم ورجاء الجداوي وإلهام شاهين وخالد الصاوي وآثار الحكيم وخالد أبو النجا ونيللي كريم وسمية الخشاب وفتحي عبدالوهاب ودنيا سمير غانم.

وأعلن عبدالحميد جمعة ، رئيس المهرجان ، أن المهرجان في دورته السادسة يكرم النجم الهندي أميتاب باتشان والفنانة المصرية فاتن حمامة ، ولاعتذارها عن الحضور، تم تقديم درع التكريم لها بمنزلها في القاهرة قبل عدة أيام ، وافتتح المهرجان بفيلم "ناين" للمخرج روب مارشال ، والذي يعرض لأول مرة في الشرق الأوسط.

وذكر أن الدورة الجديدة تعرض 168 فيلما من 55 دولة بينها 29 فيلما في عرض عالمي أول ، بالإضافة إلى 76 فيلما في أول عرض لها في الشرق الأوسط ، وستقوم لجان التحكيم بتكريم الأعمال المتميزة في مجالات التمثيل والتصوير والمونتاج والموسيقى والسيناريو.وتبلغ القيمة الإجمالية لجوائز المهرجان 575 ألف دولار أمريكي.









عرض كتب ومجلات


نشر بالشمس الثقافي

إبداع... مجلة فصلية للأدب والفن.
إبداع، مجلة فصلية للأدب والفن، تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، تعنى بنشر إبداعات الكتاب والأدباء العرب في مجالات الشعر والقصة والدراسات، وكذلك لم تغفل الفن التشكيلي، وجاء العدد الأخير حافلاً بالعديد من المتابعات التقافية والقراءات النقدية، كما جاء في مقدمة العديد في طبعة خاصة بالون الأصفر لمجموعة من القصائد لمجموعة من الشعراء العرب من بينهم علي الجندي، أوزمير إينسية، ومحمود إبراهيم أبوسنة، وكذلك محمود قرني ومهدي بندق.
كما نشر في ركن قصة مجموعة من قصص الكاتب إتيالو كافينو، وأبوبكر العيادي، ووليم الميري، أما في مجال الدراسات فكانت دراسة صمويل ليفين "اللغة والمفاهيم والعوالم: ثلاثة مجالات للاستعارة" ترجمة الأستاذ طارق النعمان في مقدمة باب دراسات ومقالات تلتها قراءة في قصص الدكتور شكري عياد، للأستاذ محمود عبدالوهاب، ودراسة لمديحة عتيق بعنوان جحيم الأنثى في شعر إلياس أبوشبكة، وتخلل هذا الباب مقال للكاتب حسن طلب تناول فيه الكاتبة الألمانية هيرتا موللر.. في عيون النقاد كما جاء في عنوان المقال وإشكالية حصولها على جائزة نوبل للعام 2009. وزين العدد مجموعة من لوحات الفنان التشكيلي حلمي التوني في ركن الفن التشكيلي، فيما كان الباب المخصص لملف العدد حافلاً بالعديد من الملفات الأدبية لمجموعة من الأدباء والكتاب العرب المميزين، وأختتم العدد بعديد الرسائل والمتابعات الثقافية.

الشعر .. في عدد متميز.
صدر العدد 136 – لسنة 2010 من مجلة شعر الصادرة عن إتحاد الإذاعة والتليفزيون، تضمن العدد مجموعة من النصوص الشعرية، كما تناولت عدة قراءات نقدية بعض القصائد كـقصيدة من خارج الرحم، ودراسة لمحمد محمد أبوزيد بعنوان "هي تقتح عمل الشعر" قراءة في ديوان رفعت سلام "كأنها نهاية الأرض"، كما تناول د. مصطفى رجب ديوان الشاعر محمود سليمان "لعبة في الريح" بالدراسة النقدية مستعرضاً نمادج من ستة عشرة قصيدة تفعلية ونثرية، مشيراً إلى الظاهرة اللغوية التي استوقفته واسلوب الاستفهام بتموجاته وصوره المتعددة، والعديد من الدراسات في عدة دواوين لا يسعفنا المجال إلا للإشارة لها فقط، كما إحتوى العدد ملفاً خاصاً بالشاعر الشعبي المصري أحمد فواد نجم تضمن لقاءً حصرياً معه، وما قيل عنه من قبل شعراء العامية المصريين، وكذلك مختارات من أشعاره. كما حاور البهاؤ حسين الشاعر سمير درويش، فيما حاور محمد الحمامصي الشاعر حسين درويش.


الكتابة الأخرى
الإصدار الثاني من "الكتابة الأخرى" العدد الأول لعام 2010، يقول عنها القائمون عليها بأنها غير دورية، مستقلة، حرة، ويصف هذا الإصدار ببدءٌ جديد، كما أن هذف "الكتابة الأخرى" هو ترسيخ وبلورة التيارات الجديدة في مختلف حقول الإبداع، وذلك في تواصل عميق وحميم مع منجزات الحركة الثقافية في العقود السابقة والتي تحرص "الكتابة الأخرى" على إبرازها جنباً إلى جنب إسهامات أيامنا، العدد بدأ بمقدمة للمحرر تناول فيها الحاجة الماسة لصدور هذا العدد، ثم مدخل الى تعريف أزمة الثقافة في باب رؤية، والشعر..السياسة..الزمن، وأبواب الفوضى، مجموعة مقالات ثقافية، ودراسة العدد كانت تحت عنوان "حول إنتاج واستهلاك جسد المرأة في مصر" للدكتور لوسي ريزوفا وترجمة الأستاذ محمد متولي، تناول فيها الكاتب موضوع تحويل جسد المرأة إلى سلعة واستهلاكه حتى الرمق الأخير، الدراسة مطولة جداً كانت في 34 صفحة بالإضافة لتسع صفحات خاصة بالهوامش، متضمنة الكثير من صور ملصقات إعلانات الأفلام المصرية التي ظهرت فيها المرأة بشكل سلعة رخيصة كما يشير إلى ذلك كاتب الدراسة، 
كما ضمن العدد مجموعة من النصوص الشعرية والقصصية، وملفاً فنياً ضم العديد من لوحات الفنان صلاح الليثي، وملفاً قنياً أخر لمحمد عبلة بعنوان "رائحة الهند" ضم العديد من اللوحات الفنية عن مشاهداته في بلاد الهند، والعديد من المواضيع الثقافية التي ضمها العدد بين جنباته.

شعر النثر العربي في القرن العشرين
ضمن إصدارات الملتقى الثاني لقصيدة النثر، صدر عن دار ارابيسك للنشر والتوزيع في القاهرة، كتاب " شعر النثر العربي في تحولاته الأساسية في القرن العشرين" للكاتب شريف رزق، الكتاب الذي جاء في 178 صفحة من الحجم المتوسط، تناول في أربعة أبواب النثر العربي "بداية التدفق الباطني الحر، لمصهور (النثر) و (الشعر) في بابه الأول، والشعر المنثور "تفعيل التأسيس لشعر النثر"، وتضمن الباب الثالث "الانبعاثات الأولى لقصيدة النثر في مشهد الشعر العربي، وأختتم الكتاب بالفصل الرابع الذي إحتوى "المفاهيم النظرية للأنواع الشعرية في شعر النثر.

رواية(ابنة النيل) لجيلبرت سينويه للمترجم المغربي محمد بنعبود




*أحمد الدمناتي
نشر بالشمس الثقافي

يواصل القاص والكاتب والمترجم المغربي المبدع محمد بنعبود بمحبة نادرة،وقدرة ممتعة تشي بدربة عميقة،وجهد معرفي صاحب الترجمة من خلال ترجمات متعددة أهداها للمكتبة العربية وللمتلقي.بإصدار ترجمة شيقة (ابنة النيل) للروائي الفرنسي جيلبرت سنويه المولود في القاهرة سنة 1947
الرواية من الحجم المتوسط تقع في 461 صفحة صادرة عن منشورات الجمل كولونيا(ألمانيا)في حلة أنيقة.
يذكر أن القاص والكاتب والمترجم المغربي محمد بنعبود من مواليد 1957 بالمغرب،نشر العديد من المقالات والقصص والترجمات والدراسات التربوية في الجرائد والمجلات داخل المغرب وخارجه.
من ترجماته الممتعة
رواية(المصرية) لجيلبرت سينويه (منشورات الجمل 2004)(543 صفحة من القطع المتوسط).
رواية(اغتيال الفضيلة) لميلودي حمدوشي.(منشورات عكاظ،الرباط 2003)
رواية(مخالب الموت) لميلودي حمدوشي.(منشورات عكاظ،الرباط 2003)
كتاب(الراحل على غير هدى.شعر وفلسفة عرب ما قبل الإسلام) لسلام الكندي(منشورات الجمل/كولونيا-ألمانيا2008).
بالإضافة لترجمات متعددة لميلان كونديرا منشورة بمجلة عيون الصادرة من كولونيا ألمانيا والتي كان يرأس تحريرها الشاعر خالد المعالي. وقصص برازلية منشورة في مجلات وجرائد.
حاصل على الجائزة الأولى في المباراة الوطنية للقصة القصيرة المغربية(الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة) يناير2000.
كتب سيناريو الفيلم التلفزيوني(وتسقط الخيل تباعا) إنتاج القناة المغربية الثانية 2002.
والفيلم التلفزيوني(غزل الوقت) إنتاج القناة المغربية الثانية.

وقد تلقت الأوساط الثقافة العربية ترجماته بترحاب واسع،وبمتابعات متعددة لقيمتها الفنية،وللجهد المبذول في صياغتها.
كما ترجم قصص (لا وجود لخصومات صغيرة) للشاعر المالي أمادو همباطي با ضمن سلسلة إبداعات عالمية التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت يونيو 2008 لتعريف القارئ العربي بالتراث الشفهي لشعوب العالم وقدم في هذا السياق كتابا مهما عن قصص الهنود الحمر قبل عدة أعوام وفي هذا الشهر تقدم السلسلة مجموعة من القصص الشعبية من منطقة السافانا الإفريقية قام بجمعها وتنقحيها الشاعر المالي المولود أبيدجان عاصمة ساحل العاج أمادو هامباطي با والذي اهتم بتتبع جذور الثقافة الفولانية الممتدة في منطقة السافانا الإفريقية والموزعة بين العديد من الدول المهمة مثل الكاميرون وغانا والسنغال ومالي وتشاد والنيجر وسيراليون وأيضا موريتانيا والسودان وهي ثقافة قبلية يصل عدد أفرادها إلى ثلاثة عشر مليون نسمة، وتتسم القصص الشعبية التي حملها الفولانيون بالاهتمام بمظاهر الطبيعة المحيطة وخاصة عالم الحيوان الذي قرنوه بعالم القيم الإنسانية فقاموا بجعل الحيوانات رموزا مقابلة للأخلاقيات الإنسانية وفي هذه الأرضية جرت المحاورات التي هدفت إلى إرساء الحكم والأفكار التربوية والتعليمية في أسلوب سهل ويسير مستمد من طبيعة الحياة الفطرية التي تعيشها هذه القبائل.
تبنت منظمة اليونسكو أعمال هامباطي با ودعمته للسفر في الخمسينيات للحصول على الخبرة اللازمة لتمكينه من إنجاز مشروعه التوثيقي وبدءا من الستينيات وبعد استقلال مالي عمل هامباطي با ممثلا لبلاده في منظمة اليونسكو وكرس نفسه لحمل رسالة مجتمعه الثقافية إلى أنحاء العالم ومن ضمنها هذه المجموعة من القصص الشعبية التي تضم نكهة البراءة الأولى.








العقاد والقصة الصغيرة





                                                                                  شوقى بدر يوسف
نشر بالشمس الثقافي


     يرتبط الأديب الكبير عباس محمود العقاد بفن القصة من خلال جوانب عديدة ضمنها مسيرته الأبداعية شأنه شأن جيله من كبار الأدباء الذين وجدوا فى هذه المنطقة من الإبداع مجالا رحبا وخصبا للمساهمة فى تأصيل ساحته، ومحاولة صياغة حكى وقص عربى جديد يواكب المؤثرات الأوروبية التى كان لها تأثير كبير على هذا الفن فى الساحة العربية آنذاك، وقد كانت الكتابة القصصية والروائية فى الساحة العربية فى ذلك الوقت لا زالت تتأرجح ما بين النضج الفنى ومحاولات اثبات تواجدها كجنس أدبى له خصوصيته ومذاقه وتوجهه، بفضل مساهمات العديد من الكتاب، الشعراء منهم والأدباء الذين ساهموا فى نهضة وتطور القصة والرواية العربية فى بداية بواكيرها الأولى . فقد ابدع كل من أحمد شوقى وحافظ إبراهيم والمويلحى وهيكل والمنفلوطى و طه حسين والمازنى والحكيم والعقاد فى مجال القصة والرواية المصرية إبداعات أثرت هذا الفن بنصوصها وأعمالها التى أصبحت هى الأرهاصات والركيزة الأولى فى هذا المجال للأجيال التى جاءت بعد ذلك .
    ولعل رواية " سارة " للعقاد التى صدرت عام 1937 وتزامن صدورها مع صدور العديد من بواكير القصة والرواية العربية فى العالم العربى، والتى أصبحت بعد ذلك علامة هامة فى مسيرة السرد الروائى العربى الحديث، كانت هى بيضة الديك التى احتسبت للعقاد فى هذا المجال . وقد تناولها العديد من النقاد والباحثين بدراسات مستفيضة من جوانب وزوايا مختلفة بإعتبار أن خطوط تماسها السردية تجمع بين الفن الروائى الصاعد آنذاك وبين فن السيرة والترجمة الذاتية حيث تتطابق شخصية " همام " وهى الشخصية المحورية لهذا النص مع شخصية العقاد نفسه بكل ما تحمل من جوانب ذاتية وجسدية ومعرفية .
     وعلى الرغم من أن العقاد كان مقلا فى مساهماته فى مجال القصة القصيرة والذى كان يسميها فى كثير من الأحيان " القصة الصغيرة " إلا تاريخ الأدب قد حدد لنا ثلاث من قصصه الصغيرة وهى "أحسن حمار"، "العذراء والشيطان"، و"المسرف الظريف" كما أنه  ساهم أيضا فى هذا المجال بمجموعة قصصية وحيدة قام بترجمتها من الأدب الأمريكى تحت عنوان " ألوان من القصة القصيرة فى الأدب الأمريكى " ، تناولت العديد من نصوص بعض كتاب القصة فى الأدب الأمريكى، ويمثل هذا الجانب فى مسيرة العقاد الأدبية نوعا من التواصل المتواضع مع جنس أدبى هام من الأجناس الأدبية وهو فن القصة والذى ساهم فيه عن طريق الترجمة والأنتقاء الخاص بهذه القصص ومعالجتها سرديا .
     ولعل أختيار العقاد لبعض النصوص القصصية من الأدب الأمريكى وقيامه بنقلها إلى العربية كان له مغزى ودلالة خاصة لديه، يظهر ذلك أولا من انتقائه لهذه المجموعة من القصص المتميزة، لبعض رواد الكتابة القصصية فى الأدب الأمريكى أمثال واشنطن ارفنج، إدجار آلن بو، مارك توين، توما بايلى الدريخ، جورج آد، ويلا كاثر، ستيفن فنسنت بنيت، ويعتبر هؤلاء الكتاب من كبار الرواد لهذا الفن فى الأدب الأمريكى، كما ترجم أيضا لكاتبين من الكتاب المعاصرين هما وليم فوكنر، وجون شتاينبك . كما أن اختيار العقاد لهذه القصص لهؤلاء الكتاب العظام لم يكن اختيارا عشوائيا، بل كان إختيارا موفقا إلى أبعد الحدود يتضح ذلك من اختياره لقصة " ريب فان وينكل " لواشنطن ارفنج، وقصتى " الخطاب المفقود " و " باطية النبيذ الشريشى " لأدجار آلان بو، والضفدعة النطاطة المشهورة " لمارك توين، وهى كنماذج للقصص التى تحمل سمات الموقف والحدث الذى يستغرق الحواس ويغمر النفس بالعاطفة المتقدة، وهى فى نفس الوقت تعبر عن رؤية العقاد تجاه مثل هذا النوع من القص والذى كتب عنه يقول : " فالقصة الصغيرة، أو الحكاية، لا تتسع لرسم شخصية كاملة أو عدة شخصيات كاملة من جميع جوانبها، ولا تتسع كذلك للحوادث الكثيرة ولا للحادثة الواحدة التى لا تتم الا مع التشعب والاستيفاء والاحاطة بأحوال جملة من الناس فى مختلف المواقف والأحوال، ولكنها قد تعطينا لونا من ألوان الشخصية كما تتمثل فى موقف من المواقف، فنفهمها بالايحاء والاستنتاج، وقد تعرض لنا موضعا نفسيا او موضعا اجتماعيا، ينفرد بنظرة عابرة ويؤخذ على حدة، فيدل كما تقدم دلالة الموقف والايحاء 
     من هنا كانت القصة الصغيرة كما سماها العقاد لونا من الكتابة مناسبا كل المناسبة للادب الأمريكى، منذ أن استقل هذا الأدب بأقلامه، ومواضيعه، وعرف له رسالة قائمة بذاتها غير المحاكاة والتقليد .
     فالمواقف أكثر ما تكون فى بلاد الاقاليم والاجناس، وبلاد التاريخ المذكور الذى تلتقى فيه الوقائع الحاضرة بالذكريات القريبة، وتصطبغ فيه هذه الذكريات بصبغة الخبر تارة وصبغة الاسطورة تارة أخرى، على حسب النظرة اليها، وعلى حسب " الزاوية " التى ينظر منها المقيم فى هذا الأقليم أو ذلك الاقليم ، ويقول العقاد محللا قصص هذه المجموعة :
     وسيرى القراء فى مجموعة القصص التالية مذاهب المؤلفين فى اختيار المواقف خلال القرن الاخير، فقد كان الموقف وحده لا يكفى لكتابة القصة قبل سبعين أو ثمانين سنة، بل كان من الواجب أن يكون الموقف رائعا أو كافيا لاستغراق الحواس وغمر النفوس بالعاطفة، فلم يزل هذا الموقف يتطور مع الزمن حتى أصبح " الموقف " جديرا بالتسجيل كلما كان فيه موضع للملاحظة القريبة، أو للمقارنة العاجلة، أو للتأمل الذى ينبعث فيه القارئ مع نوازعه وأهوائه، غير متقيد بالكاتب فى نزعته أو هواه، وفى العصر الحاضر أصبح الكتاب من طراز فولكنر أو همنجواى أو شتينبك يكتبون القصة لموقف واحد لا ينتهى الى قارعة، ولا يتبعه الكاتب أو القارئ الى نتيجة مقصودة، فمن مواقف اقاصيصهم موقف رجل يدخل الى بيته فتنبئه زوجته أنها عثرت بخادمة موافقة، فاذا بالخادمة " لا توافق " لان الرجل يعلم بعد ان يراها انها كانت زميلته فى الدراسة، ولا تزال هى وهو يتناديان بالاسماء دون الالقاب . ومن مواقفها موقف مصارع يأتمر به منافسوه ليقتلوه، فيتلقى الخبر ولا يتبعه بعمل، لان حكم الموقف يأبى عليه الهرب كما يأبى عليه ابلاغ ولاة الأمور.. ومن مواقفها موقف شيخ من الجيل الماضى يسئم السامعين المحدثين بأخبار الطواف الى الغرب، ثم التمادى فى الطواف، فلا يطيق المحدثون سماع هذه " الاعاجيب " التى كانت فى يوم من الايام تهز المشاعر وتكفى وحدها للتغريب ثم التغريب من غير قصد الى مكان معلوم، وانما هو كشف آخر من جانب البر بعد الكشوف الاولى من جوانب البحر، ولا محل له من السمر او الكلام بعد ان كشف المحدثون كل بقعة من بقاع الغرب، ونسوا أنه كان غبيا مجهولا قبل جيل، هذه القصص تختار لهذه الدلالة، وتفيد فى اختيارها الى جانب القصص التى سبق اليها المؤلفون قبل جيل واحد، فهى القصة الصغيرة فى معرض الاجيال على حسب اختلاف المواقف والاحوال، ولهذا توضع المجاميع المختارة من الوان الفن وضروب الكتابة، ولعل هذه المجموعة ان تكون لها رسالتها الكافية بين المجاميع " (1) . كان هذا رأى العقاد فى القصة القصيرة أو القصة الصغيرة كما اسماها من خلال مجال الترجمة الذى أسهم فيه بترجمة ألوان مختلفة من القصة فى الأدب الامريكى، واعتقد ان العقاد بترجمته لهذه المجموعة قد أضاف إلى حياته الأدبية كتابا هاما من كتب القصة يضاف إلى روايته الوحيدة فى حياته الأدبية وهى رواية " سارة " وبذلك يكون العقاد قد أسهم بسهم ولو ضئيل فى هذا الجنس الأدبى المراوغ والذى كان للعقاد معه رأى آخر، ولاشك أن آراء العقاد عن القصة والتى ذكرها فى بعض مقالاته عنها تعطينا دلالة عن جانب هام من الجوانب الأدبية فى حياة العقاد، وهو وإن كان قد قدم الشعر عنها إلا إنها كانت تراوده فى أحيان كثيرة ومن جوانب مختلفة، وقد سبق للعقاد أن قدم لقراء العربية قبل ذلك الشاعر والروائى الأنجليزى " توماس هاردى " عندما نشر فى جريدة " البلاغ الأسبوعى " مقالة بعنوان " أزياء القدر " فى 8 أبريل عام 1927 علق فيها على مجموعة وصلت إليه من شعر ونثر توماس هاردى بقوله " : المأساة فيها مأساة الصراع بين الناس وبين قدر لا يقسو ولا يستخف ولا يأمرك ولا ينهاك .. وجهد أمرك أن تسأم ثم أن تسأم السآمة فتعمل، ثم أن تعود إلى السآمة من جديد " أما عن منزلة هاردى فى الرواية فقد قال العقاد إنها " فى الذروة العالية "، إلا إنه عاد وقال : " وللشعر فضل فى بلوغه هذه المكانة العالية فى ميدان الرواية " (2) . كما تساءل العقاد فى أحدى مقالته : " لم لم يمنح هاردى جائزة نوبل وهو على هذه المكانة فى الشعر والرواية، وينقل لنا العقاد ما قاله مؤلف القسم الأدبى من كتاب نوبل " الرجل وجوائزه " : الفكرة التى كانت سائدة بين أكثرية أعضاء اللجنة هى أنه " شديد التشاؤم والاستلام للقدر المقدور على نحو لا يلائم روح الجوائز ومنحاها " (3) .
     ولعل الجانب الرؤيوى للعقاد فى القصة القصيرة وهو الجانب الذى يعنينا فى هذا المجال ولم يلتفت إليه الباحثين والنقاد على أهميته، وكانت نظرته إلى القصة القصيرة بإعتبارها فنا بدأ يأخذ مكانته بجانب بقية الأجناس الأدبية الاخرى بل، وبدأ يزاحم الشعر والرواية والمسرحية أيضا فى ساحة الأدب نظرة لها أهميتها فى الجانب الفكرى عند العقاد . فقد كان له آراء لها أهميتها الكبيرة سجلها فى العديد من المقالات حول فن القصة تاريخا وتجديدا وتأصيلا . نذكر منها على سبيل المثال هذه المساجلة التى جرت بينه وبين الكاتب الكبير نجيب محفوظ فى منتصف الأربعينيات حول المفاضلة بين الشعر والقصة، وقد كان العقاد قد ذكر فى كتابه " فى بيتى " من خلال حوار دار بينه وبين أحد مريديه، حول ما تحويه مكتبته من دواوين الشعر بالمقارنة بالكتب المرتبطة بفن القصة والرواية، اعقبها بمقالة حول هذا الموضوع بمجلة الرسالة فى عددها الصادر فى 3 سبتمبر عام 1945 تحت عنوان " الشعر والقصة " معلقا على رأى ساقه الأديب محمد قطب فى أحد أعداد المجلة حول رأيه فى فن القصة، يقول العقاد : " ونحن فضلنا الشعر على القصة فى سياق الكلام عليهما فى كتاب " فى بيتى " فكل ما قلناه إذن هو أن الشعر أنفس من القصة، وأن محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة .
     فلا يقال لنا جوابا على ذلك إن القصة لازمة، وإن الشعر لا يغنى عن القصة، وإن التطويل والتمهيد ضرورتان من ضرورات الشرح الذى لا حيلة فيه للرواة والقصاصين .
    ويستطيع الأديب الأستاذ محمد قطب أن يقرر كما قرر فى ( الرسالة ) : " أن القصة دراسة نفسية لا غنى عنها فى فهم سرائر النفوس، وليس الشعر أو النقد أو البيان المنثور بمغن عنها، لأنها فى ذاتها أحد العناصر التى يحتاج إليها قارئ الحياة " . ويستطرد العقاد حول هذا الموضوع فيقول : " إننى لم أكتب ما كتبته عن القصة لأبطلها وأحرم الكتابة فيها، أو لأنفى أنها عمل قيم يحسب للأديب إذا جاد فيه .
     ولكننى كتبته لأقول " أولا " إننى استزيد من دواوين الشعر، ولا أستزيد من القصص فى الكتب التى أقتنيها، وأقول " ثانية " إن القصة ليست بالعمل الوحيد الذى يحسب للأديب، وإنها ليست بأفضل الثمرات التى تثمرها القريحة الفنية، وإن اتخاذها معرضا للتحليل النفسى او للاصلاح الاجتماعى لا يفرضها ضربة لازب على كل كاتب، ولا يكون قصارى القول فيه إلا كقصارى القول فى الذهب والحديد : الحديد نافع فى المصانع والبيوت، ولكنه لا يشترى بثمن الذهب فى سوق من الأسواق " (4) . وكأنما كانت مقولة العقاد حول القصة هى النار التى انتشرت فى الهشيم فقد أنبرى لها العديد من الأدباء على رأسهم أديب شاب ضرب بسهم وافر فى مجال القصة والرواية هو الكاتب الكبير نجيب محفوظ، وكان فى هذا الوقت لم تصدر له سوى الثلاثية الفرعونية ورواية خان الخليلى، وعدد لا بئس به من القصص القصيرة نشرت فى أعداد المجلة الجديدة التى كان يصدرها سلامه موسى، ورسالة الزيات، وثقافة أحمد أمين ومجلتى التى كان يصدرها أحمد الصاوى محمد .
     وقد رد نجيب محفوظ على مقالة العقاد بمقالة فى نفس العدد تحت عنوان " القصة عند العقاد " فند فيه مزاعم العقاد فى انتصاره للشعر على القصة، قال نجيب محفوظ : انظر الى العقاد وقد لاحظ حواريه " فى بيتى " صغر نصيب القصص من مكتبته فأجابه قائلا : " لا اقرأ قصة حيث يسعنى أن اقرأ كتابا أو ديوان شعر، ولست أحسبها من خيرة ثمار العقول " . فالرجل الذى لا يقرأ قصة حيث يسعه أن يقرأ كتابا أو ديوان شعر ليس بالحكم النزيه الذى يقضى فى قضية القصة . والرجل الذى يلاحظ على مكتبته صغر نصيبها من القصة ينبغى أن تكون القصة آخر ما يرجع إليه فى حكم يتصل بها . بل إنه يفضل النقد – لا الشعر والنثر الفنى وحسب – على القصة . والمعروف أن النقد ميزان لتقويم الفنون، فكيف يفضل على أحدها ؟ ! وهل تنزل القصة هذه المنزلة عند شخص إلا إذا كان لها كارها وعليها حاقدا ؟ ! فحكم العقاد على القصة حكم مزاج وهوى لا حكم نقد وفلسفة . بيد أنى أريد أن أتناسى ذلك . وأريد أن أنظر نقده بعين مجردة ، لأن لكلام العقاد قيمة خاصة عندى، ولو كان مصدره المزاج والهوى " . ويستطرد نجيب محفوظ للدفاع عن فن القصة فيقول : " فالقصة لا ترمى لمغزى يمكن تلخيصه فى بيت من الشعر، ولكنها صوره من الحياة، كل فصل منها يمثل جزءا من الصورة العامة، وكل عبارة تعين على رسم جزء من الجزء، فكل كلمة وكل حركة تشترك فى إحداث نغمة عامة لها دلالتها النفسية والإنسانية، وكل جملة – فى القصة الجيدة – تقرأ وتستعاد قراءتها ولا يغنى عنها شئ من شعر أو نثر، ولا تحسبن التفاصيل فى القصة مجرد ملء فراغ، ولكنها ميزة الرواية حقا على فنون القصة الأخرى وفنون الأدب عامة، وهى لم توجد اعتباطا ولكنها جاءت نتيجة لتطور العصر العلمى العام " . وكما انتصر العقاد للشعر فى مقالته، انتصر نجيب محفوظ للقصة فى رده على هذه المقالة، ويستطرد نجيب محفوظ فى ذلك فيقول " أجل إن القصة لا تزال أعظم انتشارا من الشعر ولكن أكان ذلك لسيئه فيها أم لحسنة ؟ إن الخاصة التى تقرأ الشعر الرفيع وتتذوقه تقرأ القصة الرفيعة وتشغف بها، وإذا كان العقاد لا يقرأ القصة إلا مضطرا فطه حسين والمازنى والحكيم وايزنهاور* يقرءونها بغير اضطرار، ولئن انتشرت القصة فى طبقات أخرى فما ذلك لسيئه بها ولكن لحسنتين معروفتين : سهولة العرض والتشويق . فانتشار القصة الجيدة بين قوم لا يهضمون الشعر الجيد مرده الى أن القصة فى ظاهرها حكاية تروى يستطيع أن يستمتع بها القارئ العادى لسهولتها وتشويقها . وليس بالسهولة من عيب يجرح الذوق السليم، ولا بالتشويق من انحطاط يؤذى الفهم الرفيع وهى بعد ذلك تحوى قيما إنسانية كالشعر الرفيع يتذوق القارئ منها على قدر استعداده . وحسب القصة فخرا أنها يسرت الممتنع من عزيز الفن للافهام جميعا، وأنها جذبت لسماء الجمال قوما لم يستطع الشعر على رسوخ قدمه رفعهم إليها، فهل يكره العقاد ذلك أو أنه يحب كأجداده كهنة طيبة أن يبقى فنه سرا مغلقا إلا على أمثاله من العباقرة !! " (5) .
     وعلى الرغم من آراء العقاد التى ساقها نحو القصة والشعر والمفاضلة بينهما،  إلا إنه  كان يحتفى دائما بنهضة الأدب العربى فى أى مجال من مجالاته شعر أو قصة أو رواية أو نقد وكان يطمح دائما فى أن تتقدم الفنون والآداب وأن تنال نصيبها من الرقى والتسامى والأنتشار، ويرجو لهذه الفنون أن تتجه نحو الأرفع والأنفع للمجتمع ولقراءه من الجنسين حيث أشار إلى : " أن نصيب القصة فى الكتابة المنثورة  آخذ فى الازدياد والانتشار، وأن فن القصة بين الآداب العالمية . وفى بعض القصص التى تؤلف فى هذه الفترة نزوع إلى ما يسمى بالأدب المكشوف ترتضيه طائفة من قراء الجنسين، ولا يقابل بالرضى عنه من جمهرة القراء، ثم يلاحظ مع هذا أن الترجمة تنقص فى الربع الثانى وأن التأليف يزداد ويتمكن فى كثير من الأغراض . ولعل مرجع هذا إلى نمو الثقة بالنفس فى الأمم العربية، وإلى ظهور طائفة من الكتاب يستطيعون الكتابة فى موضوعات مختلفة، كانت وقفا على الترجمة قبل ثلاثين أو أربعين سنة " (6) .
     وفى مقالاته التى كان يؤصل بها فن القصة، ويؤرخ لجوانبه المختلفة كتب العقاد افتتاحية أحد أعداد القصة التى كانت تصدرها مجلة الهلال فى الأربعينيات، وهو عدد شهر أغسطس عام 1948 تحت عنوان " قصة القصة " يقول العقاد فى هذه الإفتتاحية : " ولدت مع الأسرة، ودرجت مع القبيلة، ونمت فى المجتمع القديم وبلغت أشدها فى المجتمع الحديث، وكان موضوعها أبدا هو أقدم موضوع وأخلد موضوع، شغل به الناس وتشوقوا إلى سماع الحديث فيه .. وهو – أو هى مواضيع – الحب والبطولة وعجائب الأخبار وخفايا الدنيا . ولم يعرف التاريخ قصة أقدم من القصة المصرية، لسبب ظاهر .. هو أن المجتمع المصرى كان أقدم مجتمع عرفه التاريخ، كما كان للشرقيين السبق فى ميدان القصة بعد زوال دولة الفراعنة، فظهرت القصة فى الأسكندرية وسوريا، قبل أن تظهر فى آسيا الصغرى وسائر بلاد الأغريق، وان كان الاغريق عرفوا الملاحم الشعرية قبل ذلك . ولم تزل قصب السبق فى أيدى الشرقيين الى اوائل القرون الوسطى . فاستمع الناس فى مصر وسوريا وفارس إلى الرواية والمحدث، قبل أن تقرأ القصة فى أوربا ببضعة قرون . وبدأت سلسلة ألف ليلة وليلة فى القرن العاشر للميلاد، ولم يؤثر نظير لها فى الغرب قبل القرن الحادى عشر " أحاديث الغرام " للايطالى فرنسسكو بربرينو، ولعله كما يدل عليه أسمه Barbareno  من أصل مغربى او من بلاد البربر على الاجمال، وتلاه بوكاشيو باصابيحه العشر " الديكامرون " على نسق الف ليلة، مستبدلا الأصباح بالمساء . ثم انتقلت قصبة السبق فى هذا المضمار من يد الشرق إلى يد الغرب بعد القرن الخامس عشر، ولكنه كان كانتقال الكتاب من يد المعلم إلى يد التلميذ، لأن سرفانتس صاحب دون كيشوت – واكبر قاص فى القرن السادس عشر على الاطلاق – قد عاش زمنا فى افريقيا الشمالية، وردد كثيرا من الامثال العربية فى قصته الكبرى التى نعى بها عهد الفروسية، ولكنه مبتكر من جانب الموضوع أو جانب القدرة على خلق الشخصيات . ويقال أن دانيال ديفو اكبر القصاصين الأنجليز بين القرن السابع عشر والثامن عشر، قد وضع روايته الشائقة عن " روبنسون كروزو " على نسق " حى ابن يقظان " . اما القصة فى طورها الأخير، فهى بحق وليدة المجتمع الاوربى الحديث، ولم يكن من المستطاع ان تظهر قبل ذلك . ففى القرن الثامن عشر ولدت القصة الحديثة، وأصبح القصص فنيا مستقلا عن سائر الفنون، او اصبح موضوعا جديرا بالقراءة لغير التسلية وتزجية الفراغ، لانه اشتمل على الدراسات النفسية والدراسات الاجتماعية والدراسات التاريخية، وتخصص له كتاب مبرزون . وكان للقصة فى نشأتها الاولى من أقدم العصور، كبرياؤها التى تلازم كل شباب، فكانت لا تتنزل إلى الكلام عن أحد من غير زمرة الابطال والامراء، ولا تتنزل الى الحكاية عن حادث غير حوادث العجائب والغرائب، وقلما عنيت بحديث فى الحب إلا أن يكون حبا بين أمير وأميرة، أو بين شموس وأقمار " (7) .
     وفى العدد الخاص بالقصة من مجلة الهلال الصادر فى يوليو عام 1949 كتب العقاد مقالة تحت عنوان " القصة والخرافة " يقول فيها : " اسم ( القصة ) عندنا اكرم لهذا الفن من معظم اسمائها فى اللغات الاوربية، ان لم يكن اكرم من جميع اسمائها . فهم يطلقون على الموضوعات القصصية كلمة واحدة هى كلمة " فكشن " أو Fiction باللغة الأنجليزية، مع تصحيف يسير فى نطق الكلمة باللغات الأخرى . ومادة الكلمة فى أصلها لا تدل على شئ غير معنى التلفيق والتزوير، وليس من كاتب فى العصر الحديث يرضى لمؤلفاته ان تنعت بالتلفيق والتزوير، بل لا يرضى لها ان تنعت بمجرد المحاكاة والتقليد، وهما معنى من معانى التزييف فى بعض الاحوال . وعندهم كلمة اخرى تطلق على الرواية وهى كلمة " رومان " Roman منسوبة إلى اللهجات " الرومانية " المستحدثة فى اللغة اللاتينية القديمة فى اقطار اوربا الجنوبية . وقد جرت عادتهم فى تلك الاقطار ان يلفقوا القصص بلهجاتهم المستحدثة، وهى لهجات عامية بالقياس الى اللاتينية الفصحى، ويديرون موضوع القصص فيها على ابطال الفروسية فى عهد اللاتين، وعهد الرومان الأولين، ويملأونها بالغرائب والمبالغات والأمانى الكاذبة التى يطلقون عليها احيانا " بناء القصور فى الهواء " . وقد صنعنا نحن فى العربية مثل ذلك حين الفنا بالعامية أقاصيص الاغراب والاعجاب بابطال العرب الأقدمين، كالزير سالم، وسيف بن ذى يزن، وعنترة العبسى، وغيرهم ممن غبروا قبل ظهور اللهجات العامية . والقصة بهذا الاعتبار طبقة لا تتجاوز فى القيمة الفنية طبقة هذه الملاحم التى يرويها شعراء القهوات البلدية لمن هم فى الغالب أميون لا يكتبون ولا يقرأون . وأصح كلمة عربية لترجمة " الفكشن " و " الرومان " بمعناهما هذا هى كلمة الخرافة " . أما اسم " القصة " بالعربية، فهو على خلاف ما يسبق على الخاطر، يفيد معنى غير معنى التوهم وخلق الحوادث على سبيل المحاكاة، أو الحكاية ! . ومعناه مأخوذ من قص الأثر . لأن الذى يقص الأثر يتتبع اخبار القوم ويعرف مذهبهم فى الأرض ومقامهم فيها . فهى مادة بحث وتحقيق، وليست مادة توهم وتلفيق . ومن ثم كان " القاص " عند العرب هو من يأتى بالقصة على وجهها، كأنه يتتبع معانيها، او كأنه يتتبع " قاص الأثر " انباء القوم فى عالم المكان .
     وفى القرآن الكريم عن أم موسى عليه السلام حين فقدته : " وقالت لأخته قصيه " . أى أبحثى عنه . فالقص من هذه المادة هو المعرفة الصحيحة عن بحث وهداية، وليس هو التوهم والتخيل للتلفيق والاختلاق .
     وقد شارك العقاد فى العديد من الندوات المرتبطة بالقصة ولعل الندوة التى عقدتها  دارالهلال ونشرت بالعدد الخاص بالقصة فى يوليو 1949 وكان موضوعها أثر السينما والأذاعة فى القصة كانت نموذجا حيا لهذه الندوات التى تتناول القصة فى ذلك الوقت، وقد شارك فيها كل من الدكتور محمد حسين هيكل باشا والأستاذ عباس محمود العقاد والاستاذ محمود تيمور بك والأستاذ توفيق الحكيم والأستاذ طاهر الطناحى . وقد تحدث العقاد حول " حديث عيسى بن هشام " وأشار إلى أنها مقامة مطولة نسج فيها المويلحى على منوال مقامات الحريرى والهمذانى، ويبدو أن عنايته فيها كانت موجهة إلى اللغة أكثر منها إلى الاسلوب القصصى . على أن جانب القصة فيها يمكن أن يعد أساسا للمحاولات التى تلت ذلك، كما يمكن أن يعد من هذا القبيل أمثال " أم القرى " و " طبائع الاستبداد " للكواكبى ، وقصة " سابور " لشوقى . كما عرج العقاد للحديث عن الحوار العامى فى القصة حيث قال : " ولعل اقدام هيكل باشا على اجراء الحديث فى قصة " زينب " باللغة العامية كان متابعة للأستاذ لطفى السيد باشا واستجابة لما كان يدعو اليه من ذلك فى " الجريدة " . وأشار العقاد إلى المقالة التى كتبها أحمد لطفى السيد حول الكتابة باللهجة العامية تحت عنوان " اللغة العامية ما لها ؟ إذا كتبناها زى ما هى ، يجرى ايه ؟! " . وقال العقاد أيضا ردا على تعليق لتوفيق الحكيم حول اتجاهات القصة العربية حيث قال : " اعتقد ان القصة يمكن أن تقسم إلى قسمين : اجتماعى، وانسانى، ففى القسم الأول يكون ابطال القصة ممثلين للمجتمع الذى يعيشون فيه . وفى القسم الثانى يكون ابطالها صورا عامة شائعة للمشاعر الانسانية فى كل زمان وكل مكان . وعندى ان القصص الانسانية مثل " هاملت " وغيرها من قصص شاكسبير، وقصة " أهل الكهف " للأستاذ توفيق الحكيم اكبر نفعا وابقى أثرا . وفى الاستطاعة ترجمتها الى جميع اللغات، وان تقبل عليها وتفيد منها مختلف الطبقات . كما علق العقاد على رأى الدكتور حسين هيكل حول رأيه فى أنه لا خوف على القصة من الأذاعة والسينما . يقول العقاد : " إن القصص الفنية التى تقوم على التحليل النفسى وتصور مختلف ألوان التفكير والعواطف البشرية، لن تضيرها السينما والاذاعة شيئا . وانى لأوثر ان اقرأ قصة لكرامازوف او تولستوى على أن اشاهدها فى السينما . اما القصص الشعبية و " الحواديت " الموضوعة للتسلية ففى ميدان تلخيصها والاقتباس منها متسع للسينما والاذاعة والصحافة، كما هو مشاهد الآن . ولعل بعض هذه القصص يزداد الاستمتاع بها اذا شوهدت فى السينما او سمعت فى الاذاعة . كما أشار العقاد ايضا حول كتابنا وكتاب الغرب بقوله : " لعل الفرق بين الشرق والغرب فى انتاج القصة يرجع اكثره الى توافر اسباب النشر والرواج فى الغرب نظرا لتقدم الطباعة وكثرة القراء . ومما يذكر انه ظهرت هناك قصة فى سبعة مجلدات عن أحداث العالم . أما كتاب القصة عندهم وعندنا فليس ثمة فارق كبير بينهم (8) .
     وقد اشترك العقاد فى تحكيم العديد من مسابقات القصة ولعل المسابقة التى اقامتها دار الهلال للقصة القصيرة فى نهاية الأربعينيات وظهرت نتيجة المسابقة فى العدد الخاص بالقصة فى أغسطس 1948 تعتبر نموذجا لهذه المسابقات التى كان الغرض منها البحث عن اقلام جديدة ومواهب شابة تدفع بدماء جديدة فى مجال القصة القصيرة، وكانت شروط المسابقة هى أن تكون القصة شرقية عربية تدور حول الوطنية والبسالة ولا يزيد عدد كلماتها عن 1500 كلمة، وقد اشترك فى هذه المسابقة 275 كاتبا، وتكونت لجنة التحكيم من : الأستاذ عباس محمود العقاد والدكتور طه حسين والسيدة أمينة السعيد ومحمود تيمور بك والسيدة بنت الشاطئ والدكتور أحمد زكى بك والاستاذ طاهر الطناحى، وقد فاز بالجائزة الاولى فى هذه المسابقة الأديب محمد عبد الحليم عبد الله عن قصته " ابن العمدة " وكانت قيمة الجائزة خمسون جنيها، وفاز بالجائزة الثانية الأديب سليم اللوزى عن قصته " البطل " وكانت قيمة الجائزة ثلاثون جنيها (9) .
     لعلنا فى هذه الأطلال الخاصة بعلاقة العقاد بفن القصة، نكون قد دخلنا إلى منطقة لم يطرقها أحد من الباحثين قبل ذلك من التاريخ الأدبى للعقاد، وهو التاريخ المضئ المتوهج فى كافة مجالات الفكر والإبداع، وإن كانت القصة لم تحظ منه إلا بالقليل، إلا أن هذا القليل كان علامة مضيئة فى الساحة الإبداعية فى تاريخ الأدب العربى الحديث، حيث كانت روايته " سارة " والمجموعة المترجمة من الأدب القصصى الأمريكى وآراؤه حول فن القصة وما قدمه للأدب فى هذا المجال هو خلاصة فكر العقاد وبصماته القوية العملاقة فى النهضة الأدبية التى ظهرت بعد ذلك، ومهدت الطريق إلى أجيال جديدة جاءت من بعده أثرت فن القصة والرواية الحديثة بأعمال توجت بعد ذلك بحصول الرواية العربية متمثلة فى شخص اديبنا الكبير نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب .
الهوامش
القصة الصغيرة ، عباس محمود العقاد ، مجلة الشهر ، القاهرة ، ابريل 1959
هاردى والعقاد ، د . سليمان محمد أحمد ، الآداب الأجنبية ، دمشق ، ع 50/51 ، شتاء/ربيع 1987 ص 118
نفس المصدر ص 119
الشعر والقصة ، عباس محمود العقاد ، الرسالة ، القاهرة ، ع 635 ، 3/9/1945 ص 939
 نشرت هذه المقالة فى سبتمبر عام 1945 أى بعد أنتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة وكان أيزنهاور وقتئذ القائد الأعلى لقوات الحلفاء المنتصرة فى الحرب، لذا كان التمثيل باسمه من السمات التى تعطى للموضوع أهمية خاصة .
القصة عند العقاد ، نجيب محفوظ ، الرسالة ، ع 635 ، 3/9/1945 ص 952
الاتجاهات الحديثة فى الأدب العربى ، عباس محمود العقاد ، الرسالة ، القاهرة ، ع 606 ، 12/2/1945 ص 137
قصة القصة ، عباس محمود العقاد ، الهلال ، القاهرة ، ج 8 المجلد 56 ، أغسطس 1948 ص 3
أثر السينما والاذاعة فى القصة ( ندوة الهلال ) ، اشترك فى الندوة كل من الدكتور محمد حسين هيكل – الأستاذ عباس محمود العقاد – الاستاذ محمود تيمور بك – الاستاذ توفيق الحكيم ، الهلال ، القاهرة ، ج 7 ، المجلد 57 ، يوليو 1949 ص 110
مسابقة القصة ، الهلال ، القاهرة ، ج 7 ، المجلد 57 ، يوليو 1949 ص 122





قنسطنطين كفافيس وفتنة الإسكندرية






                                       شوقى بدر يوسف
نشر بالشمس الثقافي


     فى قصيدته الشهيرة " المدينة " يقول شاعر الإسكندرية الكبير قنسطنطين كفافيس :
قلت : " سأذهب إلى أرض ثانية و بحر آخر 
إلى مدينة أخرى تكون أفضل من تلك المدينة 
كل محاولاتى مقضى عليها بالفشل 
وقلبى دفن كالميت 
إلى متى سيكون فكرى حزينا ؟ أينما جلت بعينى ،
أينما نظرت حولى بإمعان ، رأيت خرائب سوداء من حياتى
حيث العديد من السنين قضيت وهدمت وبددت 
لن تجد بلادا ولا بحورا أخرى فسوف تلاحقك المدينة
ستهيم فى نفس الشوارع وستدركك الشيخوخة 
فى هذه الأحياء نفسها وفى البيوت ذاتها 
سيدب الشيب إلى رأسك 
وستصل دوما إلى هذه المدينة 
لا تأمل فى بقاع أخرى ، ما من سفين من أجلك
وما من سبيل .. ما دمت قد خربت حياتك هنا 
فى هذا الركن الصغير .. فهى خراب أينما كنت فى الوجود " .
      بهذا المقطع من قصيدة كفافيس تتبدى العلاقة الآسرة الأزلية بين هذا الشاعر العاشق المحب ومدينته الأثيرة ، فهى عنده وعلاوة على تجربته التى وجدها عليها بعد وصول البرابرة عام 1882 وأصبحت المدينة أسيرة خربة نزقه ومع ذلك فهو لها العين التى لا ترى سواها .
     فالمدينة عنده اسطورة يونانية ضخمة تتولد من خلالها أخيلة وحكايات تستعيد الماضى بكل ما فيه من رموز ومعان وتاريخ ، كما إنها أيضا فى واقعها المعاش آنئذ ليست سوى أرضا ثابتة تحت الأقدام تؤجح فى نفسه مشاعر إنسانية متضاربة خاصة وهى ترزح تحت وطأة برابرة الأستعمار البريطانى فى ذلك الوقت، فهى تهيم معه أينما حل وأينما وجد ، تجرى دماؤها فى شرايينه مانحة الحياة والأنفاس لنفسه وروحه، وهو لا يرى فى قصيدته هذه إلا ظلمات وقتامة وخرائب كالذى يراها من حوله فى كل مكان، فأعوام عمره التى قضاها فى المدينة مخربة إلى أقصى مدى ومهما يحاول الإبحار إلى مدينة جديدة أفضل بدلا من تلك التى دفنت قلبه أثناء الحياة ، فإن تلك المدينة ستظل تتعقبه وتطارده دوما، فهى تسكنه وتحاصره دائما وهى أيضا قدره الذى لا يمكن الأبتعاد عنه بأى حال من الأحوال ، فالحياة التى خربها الشاعر فى أحد اركان المدينة ستظل خرابا فى كل البقاع . وسنراه يؤكد أن مصير الناس فى الإسكندرية مشابه لمصير أهل طرواده المحاصرة ، هم يعيشونها سطوتها حتى الثمالة وهم مجبولين على البقاء فيها، حتى من يحاول الابتعاد عنها نراه يعود إليها مرة أخرى مسرعا فى لهفة وشوق ، هى دائما الملجأ والغواية والفتنة والحياة على الرغم مما ينتابها أحيانا من أعراض الخراب والموت . ولكن كفافيس علاوة على هذه الرؤية المتأججة فى نفسه نحو الإسكندرية ، نجده يعبر أيضا عن رغبة فى الحب والحرية والمواطنة فى مدينة أخرى تعيده إلى ماضيه وجذوره القديمة ، وهى مدينة المثل العليا الأخرى البعيدة " ايثاكا " وهى الجزيرة البعيدة القريبة فى نفس الوقت التى تقبع قبالة الساحل الغربى لليونان فهى بالنسبة له يجب أن تكون مطمحا يوميا، إنها الإحساس والرغبة والإشتهاء والمتعة الجمالية ، إنها الموطن الأسطورى الذى طالما تغنى به لأدويسيوس ، ولكن المدينة الإسكندرية دائما هى الفتاة التى يعشقها دوما والتى لن يتركها أبدا بعد أن عاد إليها عام 1885 .
      وهكذا تستقر المدينة فى أعماق الشاعر رمزا للحياة والمصير الإنسانى المطلق ، وشيئا جوهريا فى مسيرته حيث دماء المغامرة ما زالت تجرى متأججة بوجدانه وعقله ، وتلك الحقيقة المطلقة هى قدره الذى ارتآه دائما وتاق إليه دوما، فهو موسوم بمدينته التى خرج منها بعد وصول البرابرة إليها ، هى تعيش معه دائما وتتواصل مع أنفاسه ، وتلاحقه أينما كان فى هذا الوجود ، وهنا نجد مستوى المكان والدلالة فى مدينة كفافيس يحمل طبعة عصرية لما يعيشه هذا اليونانى العتيق ، وهو رمز معنوى لما بداخله ، فالمدينة تعيش داخله وليست خارج نطاق تفكيره ، لذا نجد أن ناسها وشوارعها وأحيائها وبيوتها ولحظات تاريخها الحافل كانت هى الرمز الأم الذى ولّد منه كفافيس عديدا من الرموز والدلالات فى عطائه الشعرى شديد الثراء والخصوبة والشاعرية ، فهى شمعته المضيئة دائما والتى لا يرى سواها ولا يرنو إلا إلى أيامها المتوهجة، لذا نراه فى قصيدته " شموع " يحتفى بالرمز المجسد لهوى الأيام المنبعثة من الشموع المدينية المحترقة ، يقول كفافيس فى قصيدة " الشموع "
أيام الغد تقف أمامنا 
مثل صف من الشموع الصغيرة الموقدة
الشموع الصغيرة الذهبية ، الحارة ، والمتوهجة 
الأيام المنصرمة تبقى وراءنا ،
صف مفجع من الشموع المحترقة ،
أقربها لا يزال يزفر الدخان
الشموع الباردة ، ذائبة ، ومحنّية 
لا أريد أن آرنو إليها ، إن جرمها يحزننى
كما يحزننى أن أتذكر ضوءها الأول 
إننى أتطلع إلى شموعى المضاءة
لا أريد أن التفت إلى الوراء وخشية أن أرى وأرتعد 
كيف يستطيل الصف الكابى سريعا ،
كيف تتضاعف الشموع المحترقة سريعا 
      فمن يغوى الإسكندرية وبفتن بها يكن له حجر فيها وظلال لا تنمحى وملامح تعيش طويلا، هكذا المدينة تحمل فى كل شبر فيها عبق الماضى وظلال الحاضر وعبقرية التأثير وروعة الإبداع الذى يشع من كافة جوانبها، فى حدائقها الخضراء الواسعة على شواطئ البحر، فى بيوتها المتلاصقة والمتجاورة والمتحاورة ، فى حواريها وأزقتها وشوارعها صاحبة العبق الخاص والعبقرية التى تشع دائما إنسانية وتلقائية ، فى مقاهيها الشعبية بروادها ودخانها وعبقها الخاص، فى أسواقها الزاخرة العامرة، فى كل شبر من عبقرية جنباتها،  هى مزيج من تراب عجيب يقال أنه زعفرانى ، ويود غريب يشع من البحر المتوسط معطرا ومضمخا برائحة الشرق والغرب معا ، يعيش فيها أولاد البلد والأجانب من كل الأجناس، لها سحر خاص ربما هو نابع من موقعها المتميز على شاطئ البحر، ربما هو نابع من أسرار مخزونة داخل أعماقها، ربما هو عبق التاريخ الطويل الذى عاشته المدينة فى هذا المكان المتميز من البحر ، ربما أشياء كثيرة مجهولة تعطى هذه المدينة العريقة هذا الألق الخاص، المهم أن سحرها يجذب إليها كل من يقع عينه عليها . لذا فكل من يحل فيها يقع فى آسر سحرها ، هكذا هى " الإسكندرية " . هى فى كل زمان لها غواية خاصة وفتنة آسرة لكل البشر، تضمهم إلى صدرها، خاصة المبدعين الذين يجدون فيها شياطينهم حاضرة، تمتزج الذات مع المخيلة لتنتج فى النهاية إبداعا يجول فى جنبات النفس . جاءها فلوبير زائرا فوقع فى غرامها وكتب عن رحلته إليها ، جاءها الكاتب والشاعر الأنجليزى لورانس داريل فوقع فى غرامها ومكث فيها سكندريا وعاش المواطنة السكندرية مخلصا، وكتب عنها رائعته السردية " رباعية الإسكندرية " وجسدها كحلم يغمره الضوء البرونزى الذى تلقيه البحيرة على ترابها ، جاءها أ . م . فورستر فوقع فى غرامها ولم يتركها إلا بعد أن ترك فيها كتابا مهما عن آثارها العظيمة، ودليلا رائعا يحدد ملامحها الخاصة وظلالها الآسرة ، زارها نجيب محفوظ والحكيم وتيمور وغيرهم من كبار المبدعين فلم ينقطعوا عنها أبدا صيف شتاء وأثمرت زيارتهم عن أعمالا إبداعية من وحى الإسكندرية ، ولد فيها كثير من المبدعين وكانت هى ملهمتهم الوحيدة ، أبدعوا فيها وعنها، حتى الذين ابتعدوا عنها لم ينسوها أبدا، إبدعوا عن الإسكندرية ما شاء لهم الأبداع ، إلا أن عظمة المدينة لم تضن على أبنائها بأسرارها فأعطتهم كل ما يريدونه من السحر والفتنة والغواية حتى أصبحت الأسكندرية المكان والزمان ملهمة القصيد، وخميلة الحكماء والشعراء كما قال عنها أمير الشعراء أحمد شوقى . من المبدعين الذين فتنوا بالإسكندرية وكانت المدينة غوايتهم وفتنتهم شاعر الإسكندرية الكبير " قنسطنطين كفافيس " والذى أصبح بفضل فتنة وغواية الإسكندرية من أهم شعراء العالم قاطبة . ولد كفافيس فى التاسع والعشرين من أبريل عام 1863 ومات فى نفس التاريخ من عام 1933 أى اختطفه الموت بعد سبعين عاما ، أبدع فيها شعرا غنائيا ودراميا،  وخلد أسمه فى سجل عظماء الشعراء وكانت الإسكندرية هى عالمه الشعرى الأثير ومهبط إبداعه ، وفاتنته الساحرة لذا فهو يقول عنها فى قصيدته " البحر فى الصباح " :
فلأقف هنا ، ولأرى الطبيعة مليا
شاطئ بحر رائع ، أزرق أصفر، فى صباح سماؤه صافية
كل شئ جميل مفعم بالضياء
فلأقف هنا ، ولأخدع نفسى بأنى أرى هذه حقا
ولا أرى خيالاتى ومتعة وهمية
     فى هذه المدينة فتح قنسطنطينوس . ب . كافافيس أو قسطنطين . ب . كافافى - كما يعرف اليوم - عينيه فى منزل والده الكائن بشارع شريف باشا، حيث ولد فى عالم رغد العيش لمكانة والده بيتر جون المرموقة بين كبار رجال صناعة القطن فى الإسكندرية، وكان شخصيتة فى الحياة الدينية والتجارية فى المدينة كبيرة ، ولكنه كان أوروبيا فى مظهره ، كما لم يكن أصدقاؤه ومعارفه الذين كثيرا ما يغص بهم منزله من بنى وطنه اليونانيين وحدهم ، ولكن كان بينهم أيضا عدد من رجال الصناعة والأعمال الذين ينحدرون من قوميات مختلفة ، ويشكلون الطبقة الأرستقراطية فى الإسكندرية بوضعها المالى والإجتماعى المتميز . فى هذه البيئة الرغدة العيش شب كفافيس عن الطوق حتى كان عام 1882 حين ضرب الأنجليز الإسكندرية، رحلت على أثرها الأسرة إلى الأستانة ثم عادت مرة أخرى بعد عدة أشهر إلا أن كفافيس وشقيقته خاريكليا لم يعودا إلا عام 1885 ، وكانت مصر التى عاد إليها كافافى ، قد أصبحت آنذاك مستعمرة إنجليزية بالفعل ، مما أدى إلى تدمير الحياة التجارية للجالية اليونانية فيها ، بحيث أصبح من الصعوبة بالنسبة لليونانيين السكندريين أن يعيدوا بناء حياتهم ومراكزهم من جديد ، فى الوقت الذى خيمت فيه على البلاد مظاهر البؤس والتدهور العام ، ويصف ستراتيس تسيركاس آخر من أرخوا لحياة كافافى ، هذه المرحلة فيقول – كانت قد طمست المعالم المادية والمعنوية لمصر التى كانت تعرفها أسرة كافافى .. ولم يشارك كافافى قط ، طوال حياته فى أى نشاط سياسى ولكنه كان ليبراليا وإنسانيا فى تفكيره ، لذا فقد ولدت لديه هذه الظروف شعورا بالأكتئاب ، وتعكس قصائده الأولى التى كتبها إبان هذه الفترة تشاؤمه المفرط .و قد استمر كفافيس طوال السنوات السبع التالية لعودته من الأستانة فى تكريس وقته للدراسة والكتابة، وتوسع فى قراءة التاريخ والأدب البيزنطى والهيلينى ، وقد أثار إعجابه وشهيته لهذا الإطلاع كتاب الأمثال الشعرية للبيزنطيين والسكندريين القدامى من أمثال سيمونيدس أو كيوس وكاليماخوس وميلياجيرو لوسيان ، وقاده إهتمامه باللغة اليونانية الديموطية إلى الدراسات اللغوية التى كتبها بانيس بسيهاريس الذى سخر من اللغة الرفيعة ودعا إلى التبنى المطلق للغة الديموطية باعتبارها الأمل الوحيد للأدب اليونانى والتطور الثقافى للشعب اليونانى . كما قرأ كفافيس بنهم خلال هذه الفترة الأدب اللاتينى والفرنسى والأنجليزى ، وفى قصيدته " فى انتظار البرابرة " وهو نفس العنوان الذى استخدمه الروائى الجنوب أفريقى " جون ماكسويل كويتزى " الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2003 لروايته الذى حصل بها على الجائزة . فى هذه القصيدة الرامزة إلى مزج الحضارة القديمة بواقع ما عاشه وعايشه كفافيس إبان وصول برابرة الأستعمار البريطانى وضربهم مدينته الإسكندرية والذى دمر فيه منزل عائلته الكائن بشارع شريف باشا ، يقول كفافيس فى هذه القصيدة :
ما الذى ننتظره ، باجتماعنا فى الساحة العامة ؟
سيأتى البرابرة اليوم .
لم هذا الجمود فى مجلس الشيوخ ؟
لماذا يجلس الشيوخ بدون أن يصدروا قوانين ؟
لأن البرابرة سيأتون اليوم .
أية قوانين أخرى يستطيع الشيوخ إصدارها ؟
عندما يأتى البرابرة سيسّنون القوانين .
لماذا استيقظ أمبراطورنا فى مثل هذه الساعة المبكرة .
ليجلس عند بوابة المدينة الرئيسية ، 
لأن البرابرة سيأتون اليوم .
والإمبراطور ينتظر لأستقبال رئيسهم ، حقا ، لقد استعد
ليقدم له قرطاسا حفر عليه
العديد من ألقاب واسماء الشرف .
لماذا خرج حكامنا وقضاتنا اليوم
وقد إتزروا بشملاتهم الحمراء المطرزة ،
لماذا يلبسون الأساور المرصعة بالأحجار الكريمة الزرقاء ،
ويأتلقون باللآلئ البراقة اللامعة ؟
لماذا يمسكون العصى الثمينة المطعمة بالفضة والذهب اليوم ؟
لأن البرابرة سيأتون اليوم .
ومثل هذه الأشياء تخطف أبصار البرابرة .
لماذا لا يأتى الخطباء المفوّهون كما يحدث دائما لإلقاء خطبهم ،
ليقولوا كلمتهم ؟
لآن البرابرة سيأتون اليوم ،
والبلاغة والخطابة ، تصيبهم بالضجر ،
لماذا هذا الأضطراب ، والهرج المباغت ؟
( يا لليل الذى كسا الوجوه )
لماذا تخلو الشوارع والساحات بهذه السرعة ،
ويعود الجميع إلى بيوتهم ، منغمسين فى التفكير ؟
لأن الليل قد حل هنا ولكن البرابرة لم يأتوا ،
حضر بعض الناس من الحدود 
وقالوا لم يعد هناك أثر للبرابرة ،
والآن ما هو مصيرنا بدون أى برابرة ؟
أولئك الناس كانوا نوعا من الحل .
     بهذه القصيدة وغيرها من القصائد لم يعترف كفافيس فى أعماله الشعرية الكاملة بحقيقة المواطنة العربية الخالصة ، بل كان دائما يعايش عصورا قديمة، وأحلاما شائهة، وأوهام الماضى العتيق  ، فهو لا زال يعيش فى عصور هيلينية وهيلينيسية متصلة ، ولا يتردد فى سبيل إستكمال حلقات السلسلة أن يملأ الفراغ بالوهم الذى عاشه ، وبالرغم من ذلك فقد ترك ثلاث قصائد شارك فيها مشاعر ووجدان الإنسان المصرى ، منها قصيدة ساذجة عن شم النسيم ، وقصيدتان تنمان عن انفعاله بحدثين وطنيين راح ضحيتهما شابان مصريان ، ولكن هذه القصائد تدخل ضمن إنتاجه الشعرى المبكر الذى اوصى بعدم نشره . 
     يشكل قسطنطين كفافى علامة إبداعية ضخمة فى تاريخ الشعرالمعاصر، فهو يونانى عاش الإسكندرية ، وسكندرى كتب عن الماضى اليونانى بلغته ، مارس الحياة بأفق شمل ثقافة الذات مع مخزون ثقافى كبير جال فيه ببصره وبصيرته الشاعره ومزجها بواقعية قام باستعراضها بعين العالم ، كما مزج ماضيه الحضارى مع حداثة الحاضر ودفعته ظروفه الخاصة إلى شبه الإنقطاع التام عن الحياة المعاصرة والإتصال بالماضى . فهو يرجع دائما إلى مدينته الموغل فى القدم ، لأن لتاريخها عبقه الخاص ونبراته التى لم يكتسبها الحاضر بعد ، لذا نجده يستحضر لنا من تاريخها اليونانى والهيلينى القديم رموزا وشخوصها وأحداثا يستخلص منه مغزى الحياة الإنسانية بكل ما تحوى من أحداث درامية . كما أن مصداقيته الشعرية والمعبرة عن كنه الحياة وعما يدور فيها من ممارسات قد تصل إلى مناطق لا يصل إليها الآخرين، وهى التى أعطت كفافيس أبعادا ونظرات حققت من خلالها شعر هذا الرجل الذى كانت تجاربه الشخصية هى نوع من البوح والإعترافات الخاصة المفجرة لمنابع الصدق فى إبداعاته الشعرية والذاتية . وقد أثر كفافيس فى شعراء عديدين منهم الشاعر الأمريكى و . ه , أودن حيث يقول أودن : " منذ أن تعرفت لأول مرة على شعره بفضل الراحل ر . م . دوكينز منذ أكثر من 30 عاما خلت ، ولا يزال ك . ب . كافافى يؤثر فى كتاباتى ، أو بقول آخر ، أستطيع أن أذكر قصائدى التى لو لم أتعرف على كافافى لكنت كتبتها على نحو مغاير أو ربما لم أكتبها على الإطلاق ، ومع ذلك فأنا لا أعرف كلمة واحدة من اللغة اليونانية الحديثة ، مما جعل سبيلى الوحيد لقراءة شعر كافافى ، من خلال ترجماته الإنجليزية والفرنسية .
     فكفافيس باستخدامه للماضى من أجل الحصول على مثل هذا الأثر إنما كان يشق طريقه نحو شئ أكثر مهارة وعمقا . فاهتمامه بالتاريخ كان اهتماما واسعا قاده إلى تعلم تلك الدروس بدقة بالغة مما جعله قادرا على تلمس العلائق بين العديد من تلك الأحداث الشهيرة والقضايا الإنسانية المتواترة . كان رد فعله الأول هو الخروج من الحادثة بما يمكن أن يكون . كما يبدو له الحقيقة الدائمة . ويقدمها بطريقته الخاصة فهو يرى فى قصيدة " الطرواديون " قصة الطرواديين المحاصرين وكأنهم فى الحالة النفسية التى يدرك الإنسان فيها حتمية هلاكه ولكنه يواصل الصراع بحيث يؤمن فى لحظة ما انه قادر على الانتصار . وفى قصيدة " منتصف آذار " يلتقط قصة النبوءة التى تقولها العرافة لقيصر ان احذر منتصف آذار ، ويجعل منها درسا هاما لكل الرجال الذين يتوصلون إلى ذروة السلطة . إن مثل هذه النبوءة ، كما يقول ، لها أهميتها البالغة ويجب أن لا يغفل عنها أحد مهما كان منصبه ، وفى قصيدة " الله يخذل انطونيو " يقدم تصوره الشخصى للقصة التى رواها بلوتارخ ونقلها عنه شكسبير حول تخلى هرقل عن انطونيو . يعتقد كفافيس أن ذلك يمكن ان يحدث لأى إنسان غارق فى السلطة والملذات . إنها ليست مناسبة للندم بل دعوة للشجاعة والإمتنان لذلك الماضى العظيم :
فلتصغ ، تلك هى بهجتك الأخيرة ، إلى الأصوات ،
آلات الفرقة السرية المدهشة 
وقل دائما ، وداعا للأسكندرية التى أنت فاقدها 
وفى قصيدة " إيثاكا " تصبح قصة غياب أوديسيوس الطويلة عن وطنه عظة لكل محاولات الاستقصاء الطويل حيث يخلص للقول أن البحث والاستقصاء أهم من الهدف نفسه وما يترتب على ذلك من تجربة لا تضاهيها قيمة . تتسم هذه القصائد بلهجة الوعظ لذلك فهى جافة ورسمية . ومع ذلك فهى تمثل بداية احساس كفافيس بأن موضوعات الماضى يمكن أن تنسحب على الحاضر وأن تنطبق عليه . مثل هذه القصائد أكثر حبكة وخصوصية .
     وفى خضم هذا العمل استطاع كفافيس أن يبلور اسلوبا فنيا يناسب موهبته الخاصة انتج به معظم أعماله المتميزة . ففى هذه الأعمال يقدم حدثا ماضيا بطريقة تبدو وكأنها موضوعية بحتة حيث لا يعلق عليها ولا يستخلص منها أى مغزى أخلاقى . إنه يبدو وكأنه معنى كليا بالحالة ذاتها فقط . وهو فعلا كذلك رغم أنه من الطبيعى أن تتم هذه المعالجة بذوق ذاتى شديد . ففى قصيدة " الخطوة الأولى " يروى كيف يقوم الشاعر ثيوقريطى بتوبيخ الشاعر الشاب أيمنيس لتخاذله عن بلوغ العظمة حيث يخبره بأن مجرد اتجاهه نحو الشعر هو انجاز بحد ذاته . لا بد أن تعكس هذه آراء كفافيس الخاصة التى لا يشكل زيها القديم شيئا أساسيا بالنسبة لها . ولكنه فى قصيدة " وقع الخطى " كان أكثر اتقانا حيث تصور القصيدة قلق الألهة التى تحرس نيرون بسبب سماعها اصواتا مرعبة عن السلام فتقع فوق بعضها البعض :
إنها تفهم معنى ذلك الصوت
وتعرف الآن وقع خطى المنتقمين
     تبدو الحالة هنا شيئا مستقلا وتظل اللمسة الذاتية تحت السيطرة ، فالمقصود هنا هو تلك اللحظة من حياة نيرون حيث يأخذ القدر المحتوم بالتصدى له . لا تقل قصيدة " الملك ديميتريوس " القصيرة موضوعية ونجاحا ، فالملك ديميتريوس بعد أن خذله المكدونيون ، ينزع اروابه ويلبس ملابس بسيطة ويهرب :
شأنه شأن آى ممثل
فحين تنتهى المسرحية
يغير ملابسه ثم يرحل
يتم تقديم هذه الأحداث الشعرية بحس تاريخى ودرامى فائقين ، ولكنها تستمد قوتها الخاصة من الحقيقة الواقعة وهى ان هذه الأحداث دائمة التكرار وأن مثلا واحدا منها يستدعى للذهن سلسلة من الأحداث المشابهة . هكذا بدأ كفافيس باستخدام الماضى كوسيلة لتحليل الحاضر وطرائق البشر الواقعية التى لا تتغير . بهذه الطريقة سرعان ما اكتسب هذه الفن العمق والتعقيد والتميز . ففى قصيدة " فى انتظار البرابرة " التى سبق أن تحدثنا عنها والتى كتبها كفافيس عام 1911 يعرض اسطورة فعلية تشكل بحد ذاتها قصة متكاملة تحكى عن مدلول وتأويل الحاجة إلى البرابرة حتى تتعادل وتتوازن المعادلة الصعبة للحياة لذلك فهى غنية بمدلولاتها الكونية ونهايتها تحتفى برؤية كفافيس نحو ماضيه الهلينيى واليونانى القديم . والقصيدة يبدأ مشهدها فى فترة زمنية هى نهاية العالم القديم فى مدينة تنتظر هجوم البرابرة وبدلا من أن يسيطر الخوف على السكان ، ينهمكون بالتهيوء لاستقبال المحتلين . المجلس الأعلى لم ينعقد حيث لا حاجة لسن القوانين فالبرابرة القادمون سوف يسنونها ، يجلس الأمبراطور على عرشه عند بوابة المدينة لابسا تاجه منتظرا قائد البرابرة لكى يرحب به ترحيبا لائقا وقد لبس الموظفون أحسن ملابسهم . فى هذه القصيدة الرامزة يتعرض كفافيس لموضوع له شعبية واسعة فى زمانه ، فالكاتب الروسى فاليرى بريوسوف كتب قصيدة بعنوان " الهون القادمون " رحب فيه بتدفق المحتلين البرابرة على عالم متعب يحتاج لدم جديد وحياة جديدة . وبروحية مشابهة . كتب ستيفان جورج " احراق الهيكل " صور فيها بطريقة مسرحية ذلك الأعجاب الكبير الذى يحمله الناس للمحتل المتجبر الذى يدمر اقدس مقدساتهم . تتحدث القصيدتان بلغة الماضى ولكنها تعكسان هموم وآمال العصر ، وهو ما احسه كل من بريوسوف وجورج وكفافيس بان العصر مريض ولا يمكن شفاوءه إلا بكارثة كبيرة تلتهم حضارة القرون الأولى وهو ما تأثر به كفافيس وانعكس على شعره خاصة قصيدته " فى انتظار البرابرة " .
     وإذا كانت اللغة عند كفافيس تحتفى بكل تواضع فى صلب موضوعاتها باهتمام المثقف والملم بدقائقها . فمع أن كفافيس كتب بطريقته اللغوية الخاصة إلا أنه لم يجشم نفسه عناء الإستفاده من الأمكانيات المتنوعة التى توفرها اللغة اليونانية الحديثة للكتّاب . وإذا ما اعتبره انصار الأسلوب القديم المتجردين من كل زينة بأنه يتمادى فى تبسيط لغته فإن انصار اللغة الشعبية يعتقدون بأنه قد أهان اللغة الحية بقلة استخدامه لمفرداتها الوفيرة . هكذا يقف كفافيس موقفا خطرا بين خطين متطرفين فى تناقضهما ، وقد أساء ذلك إلى سمعته بعض الشئ  فى اليونان، ومع ذلك فقد استطاع بطريقته الخاصة أن يوجه مناوراته بمهارة عبر ذلك الخط المتعرج للغة اليونانية . فهو يلجأ أحيانا إلى تقديم مفردة شعبية خالصة من أجل خلق تأثير معين كما فى فى قصيدة " فى انتظار البرابرة " إذ يشير إلى " العصا " بتعبير يتردد عادة فى السوق والشارع ويطلب " نوعا من الحل " أو كما يقول فى قصيدة " ملوك سكندريون " بأن السكندريون قد عرفوا بالطبع قيمة الشئ . وبلغة الحديث اليومى ، يقدم أحيانا ضمن فواصل صغيرة بعض التعابير التى تفوح منها رائحة البلاغة الكلاسيكية أو لغة الكنيسة البيزنطية واليونانية . يقوم هذا التنويع فى اللغة بدور يتعدى حدود النبرة المتوخاة من أجل مناسبة معينة بواسطة كلمات تتناسب مع الزمن والمكان ، انه يؤكد على التنويعات المختلفة فى احساسيس كفافيس نفسه ونظراته الخاصة نحو الموضوع المطروح . وهو يوفر ذلك التجاذب بين الأرتفاع والهبوط الذى يمنح الحالة النفسية خصبها ويتيح المجال لردود فعل مختلفة فى لحظة ما .
     وإذا كانت احدى المشاكل الرئيسية التى واجهت الشعر الحديث هى كيفية الربط بين الأثارية الشعرية الخالصة ومدى إنعكاس جوهر الشعر على صيغة الواقع والأحساس الكامل بتعقيد الوعى الحديث ، فلا شك أن كافافى الذى بدأ العمل قبل نضوج هذه المشكلة فى كثير من أجزاء اوروبا ، قد وجد الحل الناجح لها . لاشك أن الأثارية التى وجدت فى شعر كافافى ليست تلك الأثارية لديناميكية التى عند ابولينير او لوركا ، كما لا يصل تعقيده إلى مصاف باسترناك أو اليوت وبورخيس واكتافيو باث ، لقد كانت مهمته الشعرية المستوحاة من مزج الحديث بالقديم، اسهل فى بعض وجوهها من تلك المهمات التى واجهت الشعراء الذين وجدوا انفسهم فى خضم الموروث الأوروبى الراسخ . فالتقاليد التى كان عليه تخطيها، والرؤية الشعرية التى كان عليه ان يدافع عنها كانتا اقل واصغر بكثير مما ترتب على الشعراء الآخرين . وهو لم يتوغل فى سبيل استكشاف حالات شبه الوعى التى وجد الشعراء الآخرون فيها مجالات خصبة لتجاربهم وارائهم انما هو قد ادرك حدوده واتقن فنه ضمن هذه الحدود . وهو بمعالجته مادته باسلوب درامى قد استطاع أن يسبر اغوار الكثير من الزوايا الغريبة فى النفس البشرية . فهو لم يكن معنيا بأهواء الطبيعة البشرية بقدر ما كان مهتما باسرارها وبالجماليات التى وضعها فى شعره وحمّله موروث الإسكندرية واليونانية الهيلينية القديمة .
المراجع
كافافى شاعر الإسكندرية ، إعداد وتقديم أحمد مرسى ، منشورات الخزندار ، جده ، 1992
كونستانتين كافافى ( قصائد ) ، ترجمها عن الفرنسية بشير السباعى ، دار إلياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة ، 1991
قسطنطين كافافى والماضى الأغريقية ، التجربة الخلاقة ، س . م . بورا ، ترجمة سلافة حجاوى ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 1986
( ملف خاص ) عن الإسكندرية ، مقالات عن المشهد السكندرى فى عيون أوروبية " إبراهيم فتحى " ، الإسكندرية فى شعر كافافى " د . نعيم عطية " جريدة القاهرة ، القاهرة ، ع 131 ، 15/10/2002