الجمعة، 4 يوليو 2014

الشاعر البحريني الكبير، الدكتور علوي الهاشمي




نشر بالشمس الثقافي
حوار جميل حمادة

الشاعر العربي البحريني الكبير علوي الهاشمي، من مواليد عام 1946، يعتبر واحدا من أهم الشعراء العرب في العقود الثلاثة الأخيرة ، صدر له العديد من المجموعات الشعرية والدراسات النقدية، وكتابات في النثر، خاصة بعد حصوله على درجة الدكتوراه في النقد الأسلوبي البنيوي من الجامعة التونسية، ونسجل هنا أن الجماهيرية الليبية نشرت له عبر المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان مجموعته التي كانت الثانية له: "العصافير وظل الشجرة" عام 1978، بعد مجموعته الأولى "من أين يجيء الحزن عام 1972. أما أعماله الأخرى فهيمحطات للتعب 1988 –  ما قالته النخلة للبحر 1981 –شعراء البحرين المعاصرون 1988 – قراءة نقدية في قصيدة حياة لعلي الشرقاوي 1988 – "السكون المتحرك" ثلاثة أجزاء، "بنية الإيقاع"، "بنية اللغة"، "بنية المضمون" عام 1992 – "التفكير الحضاري في البحرين" عام 2006 – "فلسفة الإيقاع في الشعر العربي" 2006 – "ضفتان لنهر واحد"، مقالات بين النظرية والتفعيلة في الشعر البحريني 2006 –  "ظاهرة التعالق النصي في الشعر السعودي الحديث"، عام 2003- "ظاهرة شعراء الظل في السعودية " تحت الطبع ". وقد تقلد الشاعر الدكتور علوي الهاشمي العديد من المناصب المهمة في البحرين، مثل عميد كلية الآداب، البحرين من 1998 – 2001، ثم نائب رئيس الجامعة من 2001 – 2006، ثم يشغل الآن منصب أمين عام مجلس التعليم العالي في البحرين.
وقد سعدنا بلقاء الدكتور علوي الهاشمي على هامش الدورة الرابعة والعشرين لاتحاد الكتاب العرب بسرت، دورة القدس، وكان لنا معه هذا الحوار الذي نزعم أنه على درجة من الأهمية رغم بعض التحفظات التي تبدت لنا أثناء محاورته، وإليكم نص هذا الحوار :
                        حاوره: جميل حمادة
* دكتور علوي؛ كيف تنظر الآن بعد كل هذا الجهد والإنجازات والمؤلفات والتجارب  إلى الشعر ومكانته؟
لا أراه  اختلف، طوال الوقت أراه في نفس مكانته في الحياة العربية، صحيح صارت تنازعه فنون أخرى، وصارت مساحة الشعرمتقلصة أمام مساحة الرواية  المتنامية .. وهناك أسباب كثيرة منها  تعقيدات العصر التي تناولتها الرواية بتفاصيلها الكثيرة، والرواية ركبت منجزات "المالتيميديا" والتكنولوجيا والشعر مازال مرتبطا بالحركة الإنسانية .. البداية كانت بصفته "ديوان العرب" وتاريخهم؛ وفي الأخيرة أخذ الشعر يتخلص من وسائله الأخرى غير الشعرية كالوسائل الإعلامية وصار ينزع نحو وظيفته الخاصة؛ الاهتمام باللغة الشعرية نفسهاوفي قصيدة النثر، يقوم على المجانية؛ وهي أن تكتب وأن تأخذك القصيدة إلى ما تأخذك إليه دون أي هدف " كما تقول سوزان برنار. وصارت تتميز بتكثيف العبارة، ولم تعد تهتم بعملية التواصل نظراً لأنها أفرغت منها كل الرسائل التواصلية .
* برغم أن العالم - كما يقولون - صار قرية صغيرة بفعل التكنولوجيا ووسائل الإتصال الحديثة وثورة المعلومات إلا أن العلاقات العربية الثقافية البينية هشة..! فلماذا ؟
- هي أمور سياسية كما أتصورها أكثر من كونها ثقافيةفما يصنع الحدود بين المثقف والمثقف على الخارطة العربية هي الظروف السياسية والإختلافات بين نظام وآخر، وهذا يعرقل عملية الإتصال وتطويرها بين الشعوب أو الشعب العربي الواحد  الذي صار يقسم إلى شعوب بسبب التقسيمات السياسية فتصبح المعوقات كثيرة. أختبر ذلك وأتحسسه عندما يسافر أحدنا من بلد عربي إلى آخر، وما يعانيه خاصة على الحدود البرية أو في المطارات، أو ما يتصل بالتأشيرات و"الفيز" وما شابه. الكتاب هو جزء من هذه العملية، بالإضافة إلى أنها تنطوي على فكر قد يتعارض مع الأيديولوجيا التي يؤمن بها هذا النظام أو ذاك، فيكون المنع أو الحجر مضاعفا..
د. علوي؛ هل هناك أزمة تواصل ثقافي أم سياسي بين دول المشرق والمغرب العربي في اعتقادكم؟!
هو تقريبا ينطبق عليه ما قلناه في جوابنا على السؤال السابق، بالإضافة إلى البعد الجغرافي نسبيا، وعدم إنسيابية الحركة التواصلية والتنقلية، فوصول المشرقي مثلا إلى أوروبا أسهل بكثير من وصوله إلى المغرب العربي والعكس صحيح.
ترى ما مدى تأثير العولمة والصورة على مكانة الشعر العربي لدى المثقفين والعامة على حد سواء..؟
هي الصورة في الواقع خدمت السرديات كثيرا، فقد خدمت الرواية بشكل خاص، هذا الجنس الأدبي الذي استفاد من تطور تقنيات الصورة، رغم أن الشعر في مراحله الأولى المتطورة راح يحاول الاستفادة من الصورة في بنية النص الشعري، سواء الصورة الفوتوغرافية أو المرسومة أو الأشكال الهندسية المختلفة، لكن سرعان ما بدأت هذه الموجة التي قادتها مجلة شعر، ومجلة مواقف، تتراجع قليلا قليلا إلى أن وصلت إلى الاعتماد على الصورة الشعرية المجردة، أي عادت إلى ينابيعها الشعرية التفعيلية
هل تراجع المثقف العربي عن دوره الطليعي في هذه الألفية الثالثة؟
هو حقيقة تمت محاصرة المثقف الطليعي، خاصة أثناء سعي الولايات المتحدة والرأسمالية العالمية عبرها، وأوروبا لإسقاط الاتحاد السوفييتي. والمثقف أيضا يلام كفرد وكقوى سياسية، خاصة حين ينتقل أو يتحول 180 درجة من اليسار إلى اليمين أو من الطليعية إلى السلفية، في الوقت الذي كان ينبغي عليه أن يقاوم أو يؤصل قناعاته الطليعية في مواجهة هذه الهجمة التي كانت تستهدفه من قوى الرأسمالية والدينية/ السلفية
دكتور علوي؛ كيف تقيم المشهد الشعري .. بل والثقافي عموما في دول الخليج العربي؟
هو نفس المشهد العربي كجزء منه، وينطبق عليه ما ينطبق على الشعر العربي، وإن كان هذا المشهد مظلوما ظلما بينا، نظرا لما يقع عليه من تفسيرات غير ثقافية تسقط ظلالها الطويلة على الصورة الثقافية، فالخليج دائما يربط بالإعلام، وعند المثقفين العرب يشاع بأنه نفطي، وأن ثقافته ثقافة إستهلاكية، أي أنه لا توجد به ثقافة حقيقية، وأحيانا ثقافته متخلفة بدوية تحكمها علاقات القبلية والعشائرية وثقافة الصحراء، وهنا يكمن الظلم الواقع على المشهد الثقافي، والشعر جزء من هذا المشهد، وإذا كان هذا مفهوما ومبررا في زمن الاستعمار الذي كان يعتم على الاتجاهات الثقافية المتصلة بالحركات الوطنية أصلا، والموجهة ضد الاستعمار، لذلك كان يعتم عليها، لكن هذا غير مقبول في هذا الوقت الذي انقلع فيه الاستعمار عن المنطقة ونالت دول الخليج استقلالها، وصار لها إعلامها ومثقفوها.. الذين لا تقل مستوياتهم عن مستويات زملائهم وأقرانهم في بقية أقطار الوطن العربي
كيف وجدت هذه الدورة بسرت لاتحاد الكتاب العرب؛ دورة القدس؟
أنا أرى الدورات القديمة لاتحاد الكتاب والأدباء العرب عبر المؤتمر والمهرجان الشعري كانت أقوى بكثير من الدورات الجديدة، الدورات التي حضرتها في مقتبل السبعينيات من القرن الماضي كانت ذات مستويات عالية، وكان يحضرها كبار الأدباء والشعراء والباحثين والمفكرين الذين يشكلون رموزا أساسية في كل بلد عربي
كان للشعر العربي في العقود الماضية دورا نضاليا وحماسيا مهما في العالم العربي، ترى هل تراجع هذا الدور أم اختفى تماما؟
- تحدثنا في أحد الأسئلة السابقة إلى أن الشعر بدأ ينتهي إلى وظيفته الشعرية السابقة، وهذا يعني أنه تقل فيه الرسائل التي يوصلها إلى جهات مختلفة، كالرسالة الاعلامية أو السياسية أو النضالية أو الأيديولوجية، فهذا يعني جعل الشعر يتكثف ويشتغل في منطقته الخاصة ويدعو الآخر إلى دخوله، ولا يهتم هو بالخروج إليه.
ترى ما هو ذلك السحر الهائل الكامن في كون المرء شاعرا .. أو مثقفا؟!
أنا أعتقد أن ذلك يعود لعقدة نفسية مترسبة من أزمنة كان للشاعر فيها دور ذهبي في التاريخ العربي، فحين كان ينبغ شاعر لقبيلة ما تتوجه كل القبائل لتهنئة تلك القبيلة، بالإضافة إلى أن الشعر كان ديوان العرب، يجمع كل علومهم فيه، ويتناقلونه بالرواية ويفخرون به، ولم يكن لديهم فن آخر سواه. لأجل كل ذلك صار الشعر والشاعر قبلة الناس في التاريخ العربي، لأنه من خلال الشعر يستطيع الانسان/الفرد والقبيلة أن تدافع عن نفسها، وأن ترفع من قدرها بين القبائل، وأن تهجو سواها من القبائل، وعلى قدر نبوغ الشاعر وقوته في المدح والهجاء والفخر تكون قوة القبيلة وهيبتهافي الوقت الحاضر نجد ترسبات هذه العقدة واضحة عند كثير من الشخصيات التي يكون أصحابها أغنياء أو أثرياء كبار أو مهندسين أو أساتذة جامعات، أو أي شيء آخر رفيع الشأن، ويصر على الشعر، وليته يتجاوز قدر الشويعر الناهض، بل ويصر على أن يكون شاعرا، حتى ولو بقيمة شويعر، وأكثرهم يتضرر جانبه الايجابي فيما يتقنه بهذه العقدة التي ورثها ولا يتقن منها شيئا كالذي يتقنه في المهنة الأخرى.
في اعتقادكم ماذا فعل المثقفون العرب لرفع الضيم والحصار عن شعب غزة؟
لا يستطيع المثقف أن يفعل شيء، ماذا يفعل المثقف؟! كثيرا ما تجد فيما يلقى على عاتقه أشياء لا تخصه، أللهم إلا أن يعبر عن غضبه فيما يكتبه من خطاب سواء كان شعريا أو نثريا، وقد فعل ذلك المثقفون العرب. والمشكلة في هذا السؤال الذي يفصح عن، أو يربط علاقة المثقف بأي حدث كحدث غزة، فالأحداث السياسية عادة ما تجعل المثقفين يتشظون في رؤيتهم ونظريتهم ورؤيتهم، فكل حدث هو تكسير لا تجسير في المرحلة الأخيرة، خاصة مراحل التكسر الأيديولوجي العربي التي نعيشها في المرحلة الأخيرة، وغزة مثال صارخ على ذلك، إذ أن السياسي صار يجر الثقافي وراءه، وعربة السياسي مشروخة، مما يضطر مثقفيها/ راكبيها من المثقفين بهذا الشرخ البنيوي للهروب من السياسة.
ألا ترى معي أن هنالك تراجعا كبيرا في حركة النقد الأدبي العربية بالمجمل؟
أنا ممن يؤمنون بأن النقد هو جزء من عملية الابداع، وهو يشكل الجاذبية الناتجة عن دوران حركة الابداع/ والإبداع. وإذا كان ما تذكره صحيح بأن هناك تراجع في النقد، فذلك يعود في نظري إلى ضعف الحالة الابداعية، وإلا فإن كل دوران ينتج جاذبيته..!
* طيب صحيح، هناك نقد ولكن قليل بالنسبة لحجم النتاج الابداعي..!
- أنا لا أرى معك ذلك، ومع ذلك هناك اختلاف في الرؤية تجاه هؤلاء الشعراء. أنا أتصور أنه يوجد نقد يساوي الحركة الابداعية، يعني مثلا درويش تم تناوله، أدونيس كذلك، أمل دنقل تناوله نقاد عديدون.. وهكذاالتراجع.. أنا أفهمه بعد هؤلاء الرواد، أي منذ ما يقرب من 15 عاما؛ هو صحيح حدثت أشياء في الواقع الثقافي شظت هذا الحراك ووزعته على عدة جبهات، وأنا أتصور أن هؤلاء الرواد قد أخذوا حصتهم من النقد، وأهم من ذلك أن جاذبيتهم وحيويتهم الابداعية لم تخلق جاذبيتها فقط، وإنما صنعت أيضا نقادا كبارا مثل جابر عصفور، عبد القادر القط، صلاح فضل، إحسان عباس، عزالدين إسماعيل، المسيري..إلخ.
ترى ما هي آخر كلمة تحب أن تقولها للقارئ أو المثقف الليبي والعربي؟ 
أتمنى أن يكون المثقف العربي أكثر صدقا وجدية وحبا لدوره، وأن يبتعد عن الشللية التي هي نقيض الثقافة أصلا، ولا تنسجم مع مبدأ الحوار والتعددية والإيمان بالحرية والديمقراطية والفكر وحرية التعبير. كما أدعو المبدعين من هؤلاء المثقفين وخاصة الشباب إلى أن لا يستسهلوا عملية النشر والاعلام ويقعوا في مصائد الماكينة الاعلامية التي تطحن بأتراسها كل من يتقدم حولها أو يقترب إليها بحجة صلاحية النشر

                          

قصيدة النثر.. هل هي عميل إسرائيلي!؟






جميل حمادة

استأثرت قصيدة النثر باهتمام العديد من النقاد العرب، وكذلك العديد من الشعراء العرب، فمن رافض لها، على اعتبار أنها تكسر يوتوبيا القصيدة العربية التقليدية، فتصبح خارج الوزن والقافية، وذلك الايقاع المنتظم والجرس الموسيقى الخاص الذي طالما أضفى على القصيدة العربية موسيقى فخمة عالية ورثتها منذ قرون وعقود، والتي تعتبر ذات نمط إيقاعي متشابه ضمن إيقاعات البحور الشعرية الستة عشر المعروفة. وهؤلاء كانوا في العادة هم عدد لا يستهان به من الشعراء والنقاد الذين اعتادت مخيلتهم وقراءاتهم على مواكبة هذا الميراث الشعري العربي العظيم والهائل، كما اعتاد أقرانهم أو أبناؤهم أو أنصارهم على تلقي ومشاهدة وتمثل القصيدة العربية التقليدية العروضية، متناسين بذلك عن تجاهل غير مقصود بالمطلق التطور الذي حدث في كل مناحي الحياة، وفي العلوم والآداب والبناء والتطور والحضارة والمدينة وكل مظاهر الحياة العصرية.
وصار بعض هؤلاء النقاد والشعراء يتعاملون مع القصيدة الحديثة، وتحديدا قصيدة النثر وكأنها تكتب بلغة أخرى ولا تكتب باللغة العربية الفصحى.. بل أن بعضهم اعتبرها خطرا كبيرا على اللغة العربية، مع أن الأمر نفسه قد ينطبق على نحو أكثر خطورة على الشعر الشعبي أو الزجل أو الشعر النبطي الذي في اعتقادي هو من يشكل الخطر الحقيقي على اللغة الفصحى لغة القرآن الكريم. 
أنا أرى الأمر على نحو مختلف، فمثلا بامكاننا أن نعتبر قصيدة النثر، نثرا جميلا أو جنسا أدبيا بديعا ومبتكرا، مثلما حدث عندما تم ابتكار المقامة، التي كانت في سجعها وإيقاعها اللغوي أقرب إلى الشعر منها إلى النثر في أشكاله التي كانت سائدة في القرون الغابرة مثل الخطابة والرسائل والحكايات.. وهناك الكثير من الشعراء والنقاد الذي ركنوا إلى هذا الرأي ولم يحملوا سلم العداوة بالعرض لقصيدة النثر، وكأنها عميل صهيوني للسي أي. إيه، أو للموساد الإسرائيلي ويستهدف قلب الأنظمة العربية البديعة..! رغم أننا سوف نكون أكثر تساهلا بالتأكيد مع العميل الصهيوني والعميل الأمريكي، وربما نقدم له هدية من نوع ما..!

المشكلة في أكثر جوانبها حدة و "مأساوية" تتمحور في أن عدد لا يستهان به من الشعراء والنقاد التقليديين – إن وجدوا- يرى في القصيدة الحديثة، سواء قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، شكلا مرفوضا، فقط لمجرد أنها لا تخضع لقواعد القصيدة العمودية التقليدية التي قالها العرب منذ عصور قديمة – أي منذ ظهور اللغة العربية في شكلها الراهن، بعد الآرامية والهيروغليفية والسومرية واللغات العروبية القديمة - وفق إيقاع سلسلة تناغمت مع عصور موغلة في البدائية من جميع النواحي، وبالتالي كان الشاعر يأتي ليغني للإبل بقول جميل يجعل له لحنا خطر على ذهنه في حينه، أو يبكي على طلل مضى بايقاع شجي حزين، أو يرثي حبيبا قضى، ولم يكن حتى من السهل عليه أن يصنع نايا أو ربابة.. أو أن يجدها دائما.. كل هذه الايقاعات التي تأمل فيها العالم الكبير، الخليل بن أحمد الفراهيدي وجعلها قواعد مكتوبة ومموسقة.. بتسميات.. ولكنها على أية حال لم تنزل من السماء..!

ثم لماذا قبلنا حدوث كافة أشكال هذا التطور الكلي والشامل في كل أنماط حياتنا وأدواتنا ومساكننا ومركوبنا ومراحل حياتنا بالمجمل من السيف إلى المسدس والمدفع، هذا إذا كان لدينا مدفع، ومن البغال والحمير والخيل إلى السيارات والطائرات والسفن والدراجات البخارية التي لم نتمكن من صناعتها نحن العرب بعد..؟ لم نتقبل كل هذا التطور في أشكالنا وألواننا وطقوسنا وألبستنا ومركوبنا ومأكلنا وشكل منازلنا .. و"ماكياجنا"، أعني وسائل تجميلنا وحتى هودج عرائسنا وشعائر أفراحنا ومآتمنا، نقبل كل ذلك التطور والتغيير والإضافات.. ونرفضه فقط في القصيدة العربية.. ؟ مسألة غريبة تنم في نظري عن أمرين..  أولهما أن العربي اعتاد أن يكون هنالك لديه ضوابط وحدود وفواصل، وأن يتبع أوامر طرف آخر، ولم يعتد الحرية، رغم أن الصحراء العربية الرحبة تقول غير ذلك.  والثاني أن العربي مصاب بانفصام في الشخصية دائما، فلا علاقة لحكمه بالعقل والعلم والمنطق، بل له علاقة به هو نفسه، ومدى تقبله هو نفسه للأمر من ناحية مزاجية صرفة. 

وفي الختام، نريد أن نصل إلى خلاصة مؤداها، أنه كما كان الموشح العربي شكلا جديدا ومثلما كانت الموشحات الأندلسية شكلا متطورا فرضه شكل الحياة العربية السلسة (الباذخة) في الأندلس، والتطور الحاصل في شتى أنواع العلوم وأنماط الحياة، ومثلما انتقلت القصيدة العربية في مقدمتها من البكاء على الطلل إلى أن تصبح أحيانا خمرية أو حماسية أو رثائية.. أو غزلية، جاءت قصيدة التفعيلة لتغير قليلا في شكل القصيدة العربية التقليدية باختلاف في عدد التفعيلات، وإلغاء صدر البيت وعجزه بحيث يصبح البيت الشعرية جملة واحدة، وأمست القصيدة في الأغلم الأعم وحدة واحدة، تجمعها في كثير من الأحوال وحدة موضوعية واحدة، وهو مالم يكن يتوفر دائما في القصيدة العربية التقليدية. 
ثم إن إنتقال العربي من مساكن البادية إلى دخول المدينة، والتطور والاختلاف الذي طرأ على حياته المدينية الجديدة.. طرح وعلى نحو تلقائي فرضته سنة الحياة، شكلا أكثر سلاسة ويسرا وأبعد قليلا عن موضوعاته القديمة.. بالإضافة إلى حالة الاستقرار والثبات التي صنعها بروز الدولة العربية الاسلامية القوية المترامية. 


حوار مع الكاتب المسرحي والشاعر عبد الحميد بطاو








                                                     حاورهُ – عِذاب الركابي
نشر بالشمس الثقافي
     

    عبد الحميد بطاو شاعرٌ يجيدُ التعبير عن حالاتهِ الشعرية المتعددة ، فهوَ شاعر القصيدة العمودية ( السهل الممتنع) بتميز ، تجري على قلمهِ ،
ولسانهِ متدفقة ، مزهوة ، وكأنّ تفعيلاتها فضلت الولادة على تربة روحهِ الظامئة للعشق دون غيره ..، وشاعر القصيدة التفعيلة بإيقاعاتها الساحرة ،مأخوذا ً بنسائم شاعرهِ المفضل -  بدر شاكر السياب ، المجنون في قراءته ، والتعلق بهِ حدّ الانحياز ، وكأنّه يوصلُ بودٍ ، ولحظة إبداع ٍ صادقة بينَ قريحتين صافيتين ، في تفعيلات موسقتها الحالة الشعرية المجبولة بعشق ِ بلا حدود .." بطاو" ليسّ حزينا ً وهو يتحدث ، ويكتب ، وينحاز ، وجريء الرأي ، لا يجاملُ ، وهوَ مبتهج بكثرة جراحهِ الدافئة التي أورثتهُ كلّ هذا النزيف – الشعر الجميل . أما جراح وهموم وطنه العربية ، وأمته التي يراهنُ على صباحاتها القادمة القريبة ، فهي قصيدته الدائمة !! وهوَ واضح الملامح كحروف كتاب الشمس ، واثق الخطوات ، شجاع في الدفاع عن منجزه الإبداعي ، وخاصة ً المسرحي ، ولا يجدُ كثيرا ً عليه أبدا ، أمام ما أنجزه من مسرحيات شعرية أن يكونَ رائد المسرح الشعري في ليبيا ، وله مكانة وحضور في المسرح الشعري العربي أيضا ً ..
     
    يقولُ في سيرتهِ التي تتصدر ( مدونة بطاو) : " إنني عشت كلّ هذهِ السنوات التي مضت ، بالطول والعرض ، وشبعت خلالها فقرا ً ، ومعاناة ، وجوعا ً ، وتعبا ً ، وسجنا ً" .. وهوَ جذاب ومقنع في علاقاته الإبداعية والإنسانية ، .. وها هو الشاعر – شوقي بغدادي ، كلما التقاهُ يصرخُ في وجهه : " أيّ معجزةٍ أبقتك حيا ً حتّى الآن" !!صدرت لهُ عديد الأعمال الشعرية والمسرحية :
بدأها بـ (تراكم الأمور الصعبة ) و( بكائية جالبة للمطر ) و( عندما صمت المغني) و حتّى( مرثية مرائية) .  وصدرت مسرحياته الشعرية بعنوان ( مسرح بطاو الشعري ) ج1 ، عنالمؤسسة العامة للثقافة ، وبانتظار صدور الجزء الثاني ، وأعمال شعرية أخرى . 



 
                                  .الشعرُ قدرُنا الذي لا مفرّ منهُ .

*أنْ تكتبَ يعني أنّك تتعمّد المشي في حقلٍ من الألغام ..، انْ تغامرَ ، فإذا كانت الكتابة ُ مغامرة ..وأنّها فعلٌ مجبولٌ بالمعاناة..قلْ لماذا لي لماذا نكتبُ ؟

       :حقل الألغام تكون فيه الألغام عادة مخبأة تحت التراب والذى  يتحرك وسطها لا يراها وهنا تكمن خطورة احتمال الدوس  عليها أما حقل هذا الوطن بشكل عام فألغامه غير مخبأة  ،حيث تطل بوجوهها البشعة وتحاول أن تسد علينا طرق البوح ، ولكننا دائما نجد الفرصة لنقول مايجب أن يقال ونصل الى أهدافنا قبل ان تنفجر فينا أو نتفجر من تلقاء أنفسنا ، و رغم أن هذه مغامرة محفوفة بالمخاطر إلا أننا لا نتوقف عن الكـتابة لأننا لا نسـتطيع ذلك .
   أما عن الشعر فهو قدرنا الذى لا مفـرّ منه وهو وسيلتنا التى ليس لنا سواها لنبوح بما نحسه ونعانيه فنهدر أعمارنا و نحـن ننزف كلماتنا التى تتشكل منها مواقفنا من كل ما في هذه الحياة وتظل لحظة الابداع التى وصفتها في إحدى قصائدى قائلا ( لحظات الفكر المتوهـّج والقلق الخلآق) تبقى هى أروع ما لدينا لأنها جسر تواصلنا مع الناس الذين ننزف لأجلهم راضين مبتسـمين

                      .الكتابة ُ سفرٌ جميل .

*ومن ثمّ القراءة .. هذا الحلم المتلوّ بيقظة..، حلم أن تقرأ ، يعني أن تتعذب أيضا ً ، فالقراءة العظيمة إعادة إبداع.. قل لي لماذا القراءة ؟ ولمن تقرأ ؟ ومتى ؟ وما طقوسك في القراءة – الحلم ؟

       القراءة ليست حلما تتلوه يقظة ولكنها شرب بعد تعطّش ويتلوه ارتواء فهـى حينما تكون متأنية ومتأملة لا تقل عن متعة الإبداع ،و الكتابة حيث أنها سـفر جميل و مفيد فى عوالم الآخرين وفى أفـكـارهـم  و خــيالاتـهم المبـدعة
و لا وقت و لا طقوس لها عندى لأنها لا تستغرق سوى لحظة استخراج الكـتاب من المكتبة ثم فتحه والدخول في عوالمه و أجوائه
وهى ليست إعادة ابداع ولكنها زيادة معلومات وتفتح و وعى للقارئ
وقد تكـون إعادة ابداع للناقد المحترف المتخصص الذى عادة ما يعيد عرض ما يقرأه مصحوبا بنظرته النقدية التى تعمق فهمنا للنص .

               . السيرة الذاتية أصعب أنواع الكتابة .

*إذا دخلتَ مكتبة ًما ، ووجددت على إحدى طاولاتها أربعة كتب : ديوان شعر ، قصص قصيرة ، رواية ، سيرة ذاتية .. ماذا تختار؟ ولماذا ؟ 

       أختار كتاب" السيرة الذاتية" لأنى أرى أنها أكـثر واقعية و حميمية  وصدقا ً خاصة سير الكبار والعظماء الذين كتبوا سيرهم بأنفسهم وهذا النوع من الأدب ينقصنا في وطننا العربي ، فقليلا ما تجد من حاول أن يكتب سيرته بتجرد وحياد وقد حاولت أن أدون سيرتي أكـثر من مرة و لكننى كنت أحس أننى لو الـتزمت الصـدق والتجـرد سوف افقد الكثير من البريق الزائف الذى أحطت به نفسي ، ولهذا أتوقف عن هذا النوع الصـّعب من الكـتابة.
 *وإذا قيل لكَ أنّ هناكَ مكتبة ً مهددة بحريق مؤكد ، وطلبَ منك أن تنقذ منها خمسة كتب .. فما هي ؟

       لابـد أن أكـون أحد رواد هذه المكتبة لكى أعـرف كل العناوين المرصوصة في أرففها ، و لعلنى سأخــتار الكـتب التى ليس له نسـخ خارج هذه المكتبة بغض النظـر عن قيمة وأهمية هذه الكتب وذلك بعد إنقاذ كل الكـتب الدينـية وخاصة المصاحف وكتب الأحاديث الشريفه.




                 . المواطنُ العادي هوَ ناقدي المفضل .

*تاريخك الشعريّ طويل، ولا أبالغ إذا قلت أنّك من أبرز شعراء التفعيلة ، وقصيدتك العمودية تجري على لسانك سلسة ً .. واضحة ً..طائعة ً جريان الماء ، كيفَ تعاملَ النقاد مع نصوصك ؟ أعني مع هذا العمر الشعري..هلْ أنصفك النقد ؟

       لن أكـون متجنيا لوقلت لك ما أحوجنا الى الناقد الذى يملك أدواته العلمية بما فيها تجرده وتخصصه لكى نعرف منه أين نحن الآن على الأقل . أما عـنى فـأنا أعــتبر المـواطن العادى البسـيط هو همى و نـاقدى الذى أحسب له ألف حساب ، ولعله أنصـفنى حينما تجاوب مع أغلب أشعارى التى كتبتها و نشرتها في دواوينى .

             . لا يوجد نقد متخصّص في ساحتنا الأدبية .

* هناك اتهاما ً للنقد بالتقصير عن مواكبة الإبداع ، وهناك من المبدعين مَنْ يجاهربعدم وجود حركة نقدية جادة لدينا ، وليس هناك نقاد ؟ كيف ترد على هذا الاتهام ؟ومَن ناقدك الأمثل ليبيا ً وعربيا ً ؟

       إننى أنضم إلى هؤلاء الذين يقولون أنه لا يوجد نقد متخصص في ساحتنا الأدبية أو ربما نقـول أن محاولات النقد الجادة غرقت في هذه الكمية الرهيبة من الكتابات فلم يعد من السهل تمييز الغث من السمين لدى الناقد فتوقف النقد محرجا مرتبكا بينما تواصل هذا الإسهال الرهيب من الكتابة.أما عنى فقد قلت لك أننى اتعامل مع المواطن البسيط وقـد أصـابنى الزهو حتى الغرور يوم أن ألقيت أشعارى على مسرح الرشيد ببغداد فصفق لى كبار شعراء الوطن العربي وقوفا بعد أن انهيت إلقائى وهذا شرف أعتز به ما عشـت.





        . لآ أحد يستطيع أن يضعَ قيودا ً على الكلمة الصادقة .

*يقولُ الشاعرُ الكبير الراحل عبد الوهاب البياتي:" إنّ القصيدة لا شكل لها".. ما رأيك في هذا التعبير؟ولماذا يضع البعض قيوداً على الإبداع؟ أليسَ الإبداع أن تعطي الكلمات حرية َ المبادرة ؟ماذا تقول ؟

       البياتى قامة سامقة عملاقة في مجال الشعر، ولا أعتقد أنه يقـول مثل هذه الجملة المتجنية ، فالقصيدة لها لونها ولها تمـيزها عن أنواع الأدب الأخرى وهو يعرف هذا منذ صراعه منتصف الأربعينيات مع نازك الملائكة و السياب حول ريادة الشعر الحديث حينما كان يؤكد على قدسية الشعر وتميز القصيدة في ذلك الحين و لا أحد يستطيع أن يضع قيودا على الكلمة الصادقة و لا أن يحرمها مهمة الوصول إلى الآخرين ولعل المبدع نفسه هو الذى يضع هذه القيود حينما يبالغ في التعمية والغموض دون مبرر فنى يستلزم ذلك .
  
                  .  مصطلح قصيدة النثر هجين ومضحك .
               

* وما رأيك في قصيدة النثر ؟ هل تزاحمُ أحدا ؟ فلماذا يراها البعض أنّها مزعجة ؟ أريد رأيك بصراحة ، وأنت الذي يقول :(أرفض المجاملة والمسايرة والمهادنة والموافقة على تبني موقف ضد قناعاتي) .. وهل أنت مع هذهِ التسمية ؟ 

       أننى أضـحك دائما حينما أسمع من يقـول هذا المسمى أمامى لأنه مصطلح هجين مضحك فعلا وخلط النثر بالشعر مثل من يحاول أن يخلط الماء بالنار ويصر على أن تبقى النار مشتعلة ويبقى الماء باردا سائغا للشاربين أن الحديث في هذا الموضوع أخذ غايته و أصبح من التخلف وتضييع الوقت التحدث في مثل هذا الموضوع ولعل ما ورد في القرآن الكريم يحسـم هذه القضية حينما نقرأ ( أماالزبد فيذهب جـفاء ) و لن يطول بقاء الزّبد مهما بلغت رغوته عنان الســماء و يبقى الشعر شعرا يهز النفوس و تنتشي معه.




*يقولُ محمّد الماغوط : 

أشتهي منضدة وسفينة كيْ أستريح ،
لأبعثرَ قلبي ، طعاما ً على الورق !! 

ويقولُ أدونيس :

أسكنُ في هذهِ الكلماتِ الشريرة،
وأعيش ووجهي رفيق لوجهي ،
ووجهي طريقي !!

مقطعانِ من قصيدتي نثر .. مَن يستطيع أنْ يلغي كونهما الشعري؟

       هذا الذى قاله الماغوط  و أدونيس يظل نثرا جميلا له معانيه الواضحة ولعل أدونيس بالذات كان شاعرا له تميزه وروعته و سيبقى كذلك، ومن حقه أن يتفلسف كيف يشاء بينما هناك الكـثير من ( الشعارير ) وآسف لهذه التسمية يقدم لك نصا نثريا لا تفهم منه شيئا وحينما تسأله عن معناه وماذا يريد أن يقول من خلاله  يقول لك إنه هو أيضا لا يفهمـه وأن (( القصيدة كانت تكـتبنى ))فهـل يتنزّل عليه الوحي ( استغفر الله العظيم ) !!

  . أنا صاحبُ أول نصّ مسرحي متكامل في تاريخ المسرح الليبي .

* عبد الحميد بطاو شاعر متميز .. وكاتب مسرح ، بلْ رائد المسرح الشعري ، كيف تقيم الحركة المسرحية في بلادنا ؟ولماذا المسرح الشعري معدوم تماما ً ؟أهي شروطه الصعبة ؟ أمْ ماذا ؟ حدّثني !! 

       قـد تستغرب لو قلت لك أن ممارستى للمسرح كانت قبل بداياتى الشعرية التى كانت منتصف الستينيات بينما كنت عضوا ممثلا في فرقة نادى دارنس المسرحية عام 1963م وبعد عشر سنوات وفى أبريل عام 1973م انتظمت بالمسرح الوطنى بدرنه بعد أن نجحت في امتحان أمام لجنة برئاسة الفنان العربي المصرى ( نبيل الألفى ) وشاركت مع فرقة المسرح الوطنى في عرض مسرحية ( انتبهوا ايها الساده ) للكاتب العربي المصرى ( بهيج إسماعيل) وإخراج الخبير المسرحى المعار من جمهورية مصر العربية ( د/ حسن عبدالحميد) . و كانت بالفصحى القريبة من الشعر و لم يجد هذا العرض صداه الطيب لدى الجمهور فى تلك الفترة وبدأت كتابة أول نص لمسرحية شعرية متكاملة في الفترة التى كنت فيها عضوا بالمسرح الوطنى بدرنه عام 1973م حينما استفدت من خبرة وتوجيهات الخبير المصرى المتميز المرحوم ( حسن عبدالحميد ) وكانت المسرحية بعنوان ( الموت أثناء الرقص ) والتى أعتبرها أول نص شعرى متكامل في تاريخ المسرح الليبي بما جعلنى رائدا في هذا المجال من مجالات المسرح وقد صدر هذا ضمن مطبوعات الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع عام 1984م كما تم عرضه عن طريق فرقة مسرح إجدابيا وفرقة مسرح النهر العظيم ببنغازى و التى شاركت به في مهرجان المسرح بدرنه عام 1986م ورغم تخصصى في كتابة هذا النوع الصعب من الكتابة المسرحية إلا اننى متعاطف مع الفرق المسرحية التى تقدم النصوص العامية الفكاهية حتى لو كان فيها بعض الإسفاف فهى الوحيدة الكفيلة بجلب رجل الجمهور الى المسرح وخلق تواصل معه  ثم بعد ذلك تستطيع أن تقنع هذا الجمهور بكل ما تقدمه له من أنواع أخرى مختلفه.

  . لا خوف على اللغة العربية وأقترح اللغة الوسط في مسارحنا .

*السائد في مسارحنا الليبية هو المسرح الساخر ، أداة توصيله هي اللهجة الدارجة والعامية..ألا ترى أنّ هناك خطورة على اللغة العربية من المغالاة في استخدام العامية في إبداعاتنا القصصية والمسرحية ؟ما ذا تقترح ؟

 أيام كنت عضوا في فرقة المسرح الوطنى بدرنه عام 1973م كنت استغرب عزوف الناس عن المسرح و كنت أجد نفسي دائما أمام هذا التساؤل ( هل على الجمهور أن يسلح نفسه بالثقافة الجيدة لكى يعرف ماذا يريد أن يقول المسرح الجاد أم على هذا المسرح أن يتنازل بعض الشيء عن هذه الجدية والصرامة ويخاطب الجمهور بالأسلوب البسيط لكى يتفاهم معه أولا..؟) و لهذا رأيت أن مثل هذه الأعمال الفكاهية الخفيفة هى الوحيدة القادرة على استقطاب هذه الكثافة الجماهيرية لكى توجهها بعد ذلك نحو الجدية و الإبداع .
أما عن لغتنا العربية فلا خـوف عليها أبدا وستبقى المرجع والأساس
وأقترح استعمال اللغة الوسط في حوارات المسرح القريبة بعض الشيء من الأسلوب الدارج اليومى والبعيدة عن التقـعر والمغالاة .


          . لي الحقّ في ريادة المسرح الشعري في بلادي .

 *منذ ديوانك الأول " تراكم الأمور الصعبة" –عام 1976 والنزيف الشعري(البطاوي) لمْ يتوقف ، فقد صدر لك عديد المجموعات الشعرية التي تشكل إضافة لشعرنا الليبي والعربي.. ماذا ينتظر القاريء من جديد لديك ؟؟ 

       كنت قد بدأت أول محاولاتى الشعرية مع منتصف عام 1965م وزادت قصائدى و محاولاتي رسوخا وعمقا بعد تجربة السجن عام 1967م حيث كتبت الكثير من القصائد الوطنية في تلك الفترة وكنت أقيم امسيات شعرية حماسية مع الشاعر الصديق الراحل ( محمدالشلطامى) حيث كانت ردهات وساحات ( سجن باب بن غشير ) تردد صـدى أصواتنا الغاضبة خلال صيف عام 1968م  ،و في عام 1976م وجدت أن عندى الكثير من القصائد التى تصلح أن تكون ديوان شعر يصدر بأسمي و يقدمني للناس وكانت قصيدتى الشهيرة ( تراكم الأمور الصـّعبه ) هى التى أخترت أن يكون ديوانى البكر هذا باسمها ، صدر لي بعد ذلك ديوان ( بكائية جالبة المطر ) ثم ( عندما صمت المغنى ) ثم ( مرثـيّة مرائيـه ) . ولى ديوان خامس سيصدر ضمن إصدارات مجلس الثقافة العام وهو بعنوان : ( أشجان هذاالزمان ) هذا بالإضافة إلى مجموعة مسرحياتي الشعرية التى صدرت أخيرا عن طريق مطبوعات الإعلام تحت اسم ( مسرح بطاو الشعري ) والجزء الثاني من مسرحياتي الشعرية سيصدر قريبا أيضا وبهذا تكون قد صدرت لى ست مسرحيات شعرية ( الموت أثناء الرقص ) ( الزفاف يتم الآن )  ثـم ( في انتظار جودات ) ثم ( معزوفة الكبرياء ) ثم ( عفوا تكلّم الآن) ثم ( الجسر ) .أعتقـد أن كل هذا الكم الطيب من المسرحيات يعطينى حق ريادة المسرح الشعرى في بلادى اذ لا أعتقد أنه يوجد من كتب للمسرح بهذا الكم وهذا الكـيف المتمـيّز أما عن الجديد المنتظر فاننى أقول في نهاية هذا اللقاء أن أروع قصائدى هى التى لم أقلها بعد .




حياة الماء للشاعر الليبي مفتاح العماري






زاوية مسافات ..بالشمس الثقافي
مفتاح العماري


" غلّّقت الملوك أبوابها وبابك مفتوح "
أبو يزيد البسطامي

(1)
  الكلمة فخّ : تضنّ أنك تصطاد المعنى فتغدو فريسة له .
لأن  ( كل صمت لا يحتوي الكلام لا يعوّل عليه  ) *   
هذا هو مأزق التيه الذي لا أين يشير، أو يشار إليه .
لست العارف وأنت العارف .. كلاكما يرتدي الآخر ويتبرأ من سوءته .
الكلمة كلّما ضاقت بعيّها اتّسعت ضراوة عقدتها التي مآلها أن تتفتح بهيئة وردة أو فراشة أو حمامة مطر ،غير أنها كلّما توهمت فيضها كشفت عن نرجسة فتنتها بها . إذن لا شيء هنا وكل شيء . محض ضحك يفصح عن بكائه ، أو كما يشطح البسطامي ( لم أزل أبكي حتى ضحكت ، ولم أزل أضحك حتى صرت لا أضحك ولا أبكي ) . هنا أو هناك ، لك أن تقرأ كما يحلو لك . لكن لا تبرح النصّ خشية أن تقع فيما لا يحمد تأويله  فتمسي ملك براثنه . حينها قد لا تشفع لك معرفتك الواثقة تحريك ساكن. 

(2)                 
لأني وهبت نعمة الجوع  أدركت أن الشبع نقمة ....... 
لهذا انتظرت الغائب طويلا ، وحين لم يأت ذهبت إليه .
انتظر ت من الألف إلى الياء جناح رحمته ، انتظرت  دهرا ، ليس شغفا به أو بالانتظار أو نحوه ، بل تلهّفا للمتعة التي تحذو حذو  برهانه . كذلك نحن ................. 
 .. لأن ما ننتظره قد لا يكون بهيا كما كنّا نتوهم ، فثمة  هنا ، أعني في هذا اللعب الذي يستدرجنا ، قد نتواطأ مع غواية النظر ليبهرنا نور بقامة ملاك خادع ، لهذا ما تظنه حلما في طريقه إلى التحقق ليس من الصادم أذا ما فوجئت بأنه محض كابوس مخيف ،فالكوابيس مثلما الأحلام ، هي الأخرى قرينة نوم، لكن لكي يظل الجميل جميلا ، عليك أن تستيقظ ،  لتعي أكثر من مرة ترهات طبيعة الكلمة الخادعة . لأن الجمال الذي تضمره القصيدة يظل جمالا بتوطينه في بضع كلمات . لكن حالما يغادر متنه سيفقد عظيم بهائه ، لا ريب ،في أنّي ألمّح لبهاء الروح  لا الجسد الذي بهيأة كذب أرعن أو عبارة لعوب من حروف مخمورة تتبختر بطلائها . وبذا مهما انتظرت لن تحصل على روح  المنتظر  الذي تفتّش عنه . حينها لن تخسر شيئا سوى جهلك إذا ما اكتشفت في نهاية مطافك جريرة وهمك . هذا هو السرّ .

(3)
 لا بأس عليك طالما ثمة في الإمكان أن تستأنف رحلتك من جديد . الحياة تحتمل عبور الحمقى إكراما للأذكياء الذين  يتقنون أدوارهم باقتدار شديد الحنكة . غير أنه لا يعدّ عارا في شيء  أذا ما خدعت.. فالعار هو أشرس كائنات التجربة ،وأنت لم تلمس بعد هذه الفضيلة إلا إذا انتظرت أطول مما ينبغي ، إلى الحد الذي تستشعر فيه أن من يحيطون بك قد سئموا حياتك ، حينها ستصل إلى قرارك الحاسم في أن تتحقق لا بمشيئتك أنت أو خصومك ، بل بمشيئة  الألم وحده . لكن ثق أيّها العارف المخلّ أحيانا بنظافة متنه ، ثق تماما أن العالم بأسره هو الآخر ينتظر، و لهذا نحن نوجد . 

(4)
أن تحبّ هذه أيضا مثلبة ضرورية ستلهث خلفها، لكن بمجرد أن يصدمك الحائط توقّف قليلا ، لا لتعود إلى الخلف ، بل لتحلق أبعد مما يؤمل . فأنت أيضا لك شيطان في جيبك ، يمكنك أن تلجأ إليه عند الحاجة . هذه هي المسألة .لأن ما تتبعه لا يوجد في نفسه بل يوجد فيك ،  هو داخل كهفك لا خارجه لأنه يسكنك و يتمخض عنك لا عنه ، هو فكرتك لا فكرة شريكك في الثياب والسفر والمفاتيح ، (ما تقوله ، ما تعرفه ، كله نابع منك ، اعرف نفسك فقط ، لأن هذا الأمر أكبر مائة مرة منك .) ** فأنت في كل الأحوال تجسد سيرة وهمك . فقط تتفاقم جريرتك لحظة أن  تلبس الشريك حلما لا يسعه وتهبه دورا يتعذّر تجسيده على من جبل على الكره لا المودة ، لأن الضغينة  جوهر لغته سيغتالك بخنجر محبته. حينها عليك أن تدرك بأن نزالك مع نفسك لا معه ، ومعركتك التي تظهرها هي في حقيقة أمرها تحدث داخلك . لا بأس أيها العارف  أذا ما أشارت عليك الفاجعة باقتراح محطة أخرى .. هذا كل شيء ، لكي تتحقّق أبحث عن نفسك  ، ولكي تعثر عليها ، أبحث في لغتك لا لغة الآخرين ، حتى لا يختلط شعيرك بعدسهم  فالحياة قصيرة  أيها المشاء ، والوقت حاّد كما يوصي أبو حيان التوحيدي، فكن من حدّته على حذر .   


(5)
وأنت تتألم عليك أن تعي : أن تتحقق من شيء قد لا تتفطن إليه حين يتحول إلي متعة تغذي سادية شريكك . في هذه الحياة لا غيرها ، ثمة من ينجح ليس لأنه جديرا بذلك بل لأننا نفشل . لهذا يتفوق الجبناء ويتسابقون إلى الغنائم بعد سقوط من كانوا يتقدّمون الصفوف ، وهكذا قد يتعاظم الخسيس  ويمسي  نبيلا . وهذه واحدة من مثالب النصر عندما يمسي النكرة معرفة  ليصعد المتخاذل على درجات ، نورها من حطب الغائبين . 

(6)
إذا استطعت  توجيه مسار الألم إلى وجهة أنت تدركها ، هذه أيضا فضيلة مثلى ،  قد تنتصر أخيرا ولن تعوزك الحيلة لأن تكون أنت ، لا كما أنت ، لأنك حين تكون أنت كما أنت دائما ، حينها تصير معضلة تشبه الموت .

(7)
 أحيانا مثلما نتعلّم من اتساعنا نتعلم من ضيقنا . والعزلة لن تتحقق فقط بستة جدران تكتنفها ظلمة ، لعلّ تحققها الأبلغ أثرا والأعمق إعجازا يكمن في ما لا يحدّ من الآفاق والعواصم المضاءة بالضحك والحكايات والنيون . هل أنت كما أنت ؟ لا أظن ذلك وإلا  لن يتغير شيء في هذا الكون .. ثم هل أنت كما تعتقد أنك أنت .  غير أنك مهما تعتقد أنك أنت ،أنت : لن تصل إلى حقيقتك التي تشير إليك أو إلى  كل جهات الملح والطحين والحلم والنشيد . لا مفر إذن من أن تكون أكثر جرأة على اقتحام نقيضك .. من هنا تمتصّ الندرة وحدها عصارة الكثرة.ومن ثم لن يكون البقاء كما يشاع للأقوى بل للأجدر استحقاقا ، والذي قد يكون هشا ولعلها هنا تكمن قوته .. أحيانا تظل الهشاشة هي كل ما نحتاجه لكي نصمد . ولا أظن بأنك في حاجة لأن أذكّرك بمجازات شبيهة للوتسو  والنفري  وربما طاغور أو ذلك الأعمى  طويل الاسم الذي أحبه كما لو أنه من نسلّ أمي، أعني الأرجنتيني الذي رغم نباهة تناصه  وحذاقة خياله استغفل من اقرب الناس إلى قلبه ، و كان من أبشعهم تآمرا وخديعة ، شريكة حياته ، المرأة الفتية، أشير في هذه  المثلبة إلى  محنة صانع معجزات السرد الأسطوري بورخيس ، ولعلهم جميعا كما أظن قد لمّحوا : أن الخيال  لن يكون خيالا ما لم نخنه ، مثلما لن يكون الجمال جمالا ما لم نسبغ عليه شيئا من نسغنا ، لكي لا نصبح كما نحن دائما ، بل إلى ما يتاق إليه.. ليس في كل عام ، بل في كل جزء من القصيدة علينا إذا لم تحدث الآلام أن نبتكرها مثلما علينا صناعة الحروب والقلاقل والثورات من أجل شيء لسنا في كل الأحول ملزمين بفهمه .  يومئ الجاحظ :  هناك أشارات ستظل ملقاة على الطريق ، دائما عليها أن تنتظر .

_________________ حياة الماء

في البدء كان الماء ،
يسري في عروق الحجر  وقنوات الريح.
يولد الماء عاريا ، وينشأ عاريا ..
يعيش في بيوت من جرار وجلد  ، من عنب وقصدير ووحل ،
ينام في فم صبية بعد سفر طويل ،
 ولا ينام حين تتحسس أنامل شهوتها لحاء ذكورته ..
في قاع بئر ، ولا ينام إذا مرت أغاني الرعاة قرب سريره الفضي ،
 في زهرة تنتظر ..
 في إعصار يقتلع الغابات والمعاجم من جذورها ،
في قصيدة تولد ،
ولا ينام إذا أعلنت الصحراء نفيرها ..
في سماء ،  في شوارع وكلمات وشرايين وأشجار  وجبال .
حياة الماء لا تتوقف عن إثارة الموسيقى ،
حياة الماء لا تستسلم للكتابة بلغة الأرقام  ،
لا تحد ّ، حياة الماء في الصيف أكثر عنفونا ولذة  ،
في النهر: كل هذه المرأة  الجميلة ملكي  
في البحر: كل هذه  الدّرر ، وهذه الأسرار والأناشيد من بعض كنوزي
كل حديقة تعطيني ألوانها وذاكرتها وأساطيرها 
كل الأعشاش تطلق أحلامها في أثري .
أنا حياة الماء .

____________________
*   من رسالة ( الذي لا يعوّل عليه ) ، محي الدين بن عربي .
** من (منطق الطير ) ‘ فريد الدين العطار .