الخميس، 10 يوليو 2014

عيشة الطبيبة ،، مصطفى السعيطي


                                                                                  نشر بالشمس الثقافي
مازلت أذكر – على مر السنين – تلك المرأة بتقاسيم وجهها البريء الذي يحتل الوشم الخفيف حيزاً منه متسربلة في (جردها) المخطط، فيما تبدو ساعة رجالية نوع (هيرما ذات الهلال المعروف) تلوح في معصمها ..
تخرج من بيت وتلج آخر وهي تحمل صندوقاً صغيراً تتشبث به .. هذا الصندوق الذي كان مثار قلقنا واشمئزازنا نحن الصغار! وما أن تحل على بيت من بيوتنا حتى تعلن درجة الطواريء القصوى ، ويرين الصمت والخوف ، وترتعد الفرائص ، وتنكمش الأجساد الصغيرة خلف ظهور الأمهات .. ولاتفلح جميع المحاولات الخرافية لتسكين روعنا جراء هذه الزيارة المزعجة وحلول عمتي عيشة بالمكان .. ولن تهدأ النفوس ، حتى تنتهي هذه الزيارة غير المرغوب فيها من جميع الصغار ، الذين يعرفون أنها زيارة غير عادية تبدأ بالخوف وتنتهي بالصراخ والعويل .. هذا الخوف ليس من عمتي عيشة الهادئة المستكينة الصامتة .. بل من ذلك الصندوق الصغير الذي يكتظ بكل ما يبعث على الهلع .. إنها الإبر والحقن !
ومن بعيد تظل الأعين الصغيرة تبحلق في توجس في تلك العدة الجهنمية التي يحويها الصندوق .. وتتابع الخطوات التالية في انكسار .. فبعد السلام الاعتيادي المستعجل ، تفتح عمتي عيشة كنزها الرهيب تخرج الإبر و(السرنقات) وتطلب (البابور) من أهل البيت ، ثم تضع عليه إناء به ماء وتغلي ما به جيداً .. وريثما يفور الماء وتتعقم الإبر ، تتناول عيشة الطبيبة (الروشيتة) من الأم بيد واثقة ، وتقلبها أمام عينيها لتعرف مقدار الحقنة ، وإن كانت تستلزم اختبار الحساسية ضد البنسلين ومشتقاته ، أو إن كانت في العضل أو في الوريد .. وأقول تعرف !! .. لأنها تقرأ ولاتكتب بأي لغة ! .. بل تعرف من نظرة واحدة إلى الوصفة نوعية ومقدار الحقنة .. وسبحان الله الذي يودع أسراره في خلقه الذين فطرهم على فطرته .. فهذه المرأة التي لم تدخل مدرسة في حياتها تلجؤها الظروف والحاجة إلى فك رموز الروشيتة وضرب الحقن وقياس الحرارة بذكاء حاد وإلهام فطري لايخطيء.
وعمتي عيشة تعرف – بحكم ممارستها لهذه المهنة – أنها ضيف غير مرغوب فيه من قبل الصغار .. لكنها تعرف أكثر أنها تحمل في صندوقها العجيب الشفاء العاجل – بإذن الله – لهذا الطفل الذي أقعده السعال أو التهاب اللوزتين أو نزلة حادة عن مغادرة الفراش والخروج إلى الشارع ، أو الالتحاق بأترابه في المدرسة .. فيداخلها شعور كبير بالاطمئنان لما تقوم به في ذات الوقت الذي حكم فيه المجتمع أحادي النظرة على المرأة بالنظر إلى الدنيا من خلال فتحة (الجرد) وعدم تجاوز عتبة المطبخ .. فكانت عمتي عيشة مثالاً للمرأة الصلبة الجريئة التي اقتحمت هذا العالم الموحش منذ زمن مبكر.
وتغادر عمتي عيشة البيت بعد أن تدعو بالشفاء .. فيما نقابل نحن الصغار دعاءها بدعاء آخر مغاير ، يعني فيما يعني الرغبة في عدم رؤيتها من جديد !..
عيشة الطبيبة .. لعلكم علافتم السر وراء هذا اللقب الحركي الذي ظلت تجره خلفها حتى رحيلها عن عالمنا .. لكنها جاءت إلى هذه المدينة بلقب آخر من واحة الكفرة البعيدة .. إنه لقب (التارقية) .. هناك يعرفونها بهذا اللقب ، نسبةً إلى أمها التي تنتمي إلى قبيلة الطوارق .. أما اسمها مجرداً فهو ( عائشة بلقاسم عبد العالي دخيل) من قبيلة ازوية من بيت السديد (منايع) .. ولدت في الكفرة سنة 1928ف .. ودخل حياتها ستة رجال ، أنجبت من أربعة منهم .. لكنها غادرتهم جميعهم لأسباب مختلفة .. لكن لعل السبب المشترك الذي جعلها تنفصل عنهم هو الحرص الشديد على مصروفات البيت ، وحجب التموين في صناديق مغلقة .. (هذه المعلومة أوردها ابنها الحاج سعد الشاكة ، حين سألها عن سبب طلاقها من أزواجها الستة !) .. لأنها كانت على النقيض منهم جميعاً .. إذ كانت كريمة تكره البخل والحرص وأهله .
ووجدت عمتي عيشة نفسها تعيش استقلالاً ذاتياً وتعتمد على نفسها ، فتعلمت حياكة القبعات البيضاء (المعارق ) .. لتعيش من ثمنها ، ثم اقتنت ماكينة خياطة بعد آنست في نفسها خياطة وتفصيل الملابس .
وفي االعشرين من عمرها صحبت آخر أزواجها إلى أجدابيا .. ولم تطل حياتها معه .. فوجدت نفسها بعد خمس سنوات ، وتحديداً سند 1953ف تلتحق بالعمل كعاملة في مستشفى (سعد الله بن سعود – أحد وزراء أول حكومة ليبية) الذي يستغله الهلال الأحمر الآن ، براتب قدره (سبعة قروش!) في اليوم .. أي مايساوي جنيهين وعشرة قروش في الشهر .. ولأنها لم تدخل المدرسة ، فلم تكن مؤهلة لدخول عالم التمريض الذي كانت تحبه وتجد فيه ذاتها مثلما فعلت زميلتها السيدة الفاضلة (حليمة خفاجي) التي تٌعد أول ممرضة في إجدابيا في الخمسينيات .. لكن كان عليها أن تعتمد علي ذكائها ليقودها إلى تعلم ضرب الإبرة ومعرفة نوعها ومقدارها .
ولعمتي عيشة أسلوب آخر في حياتها ، تلوذ به حين تطبق عليها لقمة العيش ولسعي المضني وراءه .. فلم تنس أن تغتصب لنفسها المكدودة وقتاً ممتعاً عندما تركن إلى ذلك المذياع العتيق (فليبس) بأزراره الكبيرة المرصوفة على واجهته ، وبطاريته الضخمة التي تربض بجانبه وهوائيه المتصل بعلبة صفيح مملوءة بالتراب والفحم .. وكثيراً ما يفاجئها أهل بيتها وهي تهز رأسها طرباً لصوت شادي الجبل أو علي الشعالية ، أو نوبة المالوف .. فخلال هذه الساعات التي تختلسها من ضرب الحقن وخياطة الملابس و (المعارق) ، كان يحلو لها أن تدعو جاراتها القريبات لمشاركتها هذا الاحتفال الصغير والاستماع إلى برامج الأسرة المشهورة (عبده الطرابلسي) ، والاستمتاع معها بتناول الشاهي والكاكوية والغريبة الهشة المتوجة بحبات القرنفل .
وظلت حياتها على هذا المنوال .. بين صندوق الحقن والماكينة ومسؤوليات ذلك البيت الذي شرع سكانه في النمو على نحو مضطرد .. وتحتَم على هذه المرأة أن تتحدى معاناتها وآلامها وحياتها القاسية ، عندما كانت تصارع ضغوط يومها ، في محاولة خرافية لتأمين الترر اليسير من قوت أسرتها على هذا النمط .. فلم تستسلم لنكبات الزمن .. بل هبت ابتسامة القناعة تغمر روحها المتحدية .. ولم يُنسها كفاحها اليومي وجولاتُها المكوكية على البيوت أن تفرض نظاماً صارماً على كل من حولها .. لأنها تدرك أن الأفراط في التدليل سيعود عليهم سلباً .. فحرصت على تربيتهم على الصدق ونبذ الكذب والرذيلة .. وفي هذا يروي ابنها ما حدث له حين حاولت نفسه الصغيرة الكذب عليها .. فقد أرسلته أمه ليبيع آخر (معرقة) فرغت من حياكتها .. وكان ثمنها عشرة قروش .، بعد أن تضاعف ثمنها بالتدريج من ثلاثة قروش إلى عشرة قروش ، ووسوست له نفسه ان يختلس منها قرشاً ويشتري به علبة بسكويت .. وجعل التسعة قروش الباقية في صرة ورمى بها في حجر أمه ، ظناً منه انها لن تعد المبلغ .. لكن خاب ظنه سريعاً عندما عدت أمه النقود واكتشفت اختفاء قرش منها .. فسألته عنه ، فادعى أنه ضاع في الطريق .. ولم تصدق الأم هذا الإدعاء لأن قلبها دليلها واكتشفت تلعثم ابنها في الإجابة .. لكن الابن فضل عدم الانهزام ، والسير في إدعائه إلى النهاية .. وتصر الأم على كشف كذبته الصغيرة .. فجاءت بغربال ، وطلبت منه مرافقته إلى حيث فقد القرش .. وعبثاً حاول ابنها غربلة أكوام التراب ، لأنه يعلم جيداً أن القرش هو الآن في بطنه بعد أن تحول إلى قطعة بسكويت .. وتستمر الغربلة .. والأم تقف على رأس ولدها الشقي مثل مقص .. وينثال العرق .. وتزداد الربكة .. وتنذر الأجواء بالعقاب الوخيم .. فلم يجد بداً من الاستسلام لرحمتها .. معتمداً على حنانها وحده .. فهو الوحيد الذي سينقذه من هذه الورطة .. ويعترف الابن بسرقة القرش .. فابتسمت في وجهه ، انتصاراً لحدسها الذي لايخيب ، لأنها كانت تنتظر هذا الاعتراف .. وسحبته من يده إلى البيت لتخرج له من درج الماكينة قطعة بسكويت .. وتعنفه على هذه العادة الذميمة .. ولم تتركه حتى اغتصبت منه وعداً بعدم معاودة ما فعل .
لم يُعرف عن عمتي عيشة وهي تنتقل بين البيوت الناس نقلها لأسرار ساكنيها .. او المشي بالفتنة بينهم .. فهي بطبعها قليلة الكلام ، لاتحب الثرثرة وكثرة القيل والقال .. ولأن وقتها لايسمح لها بالبقاء بعد إعطاء الحقنة .. فحافظت على مساحة من الود والتوقير في محيطها سبعة وعشرين عاماً حتى اختارها الله إلى جواره سنة 1980ف  بعد أن صحبت صديقها السكر لعشرة أعوام كاملة ، ثم تلاه جاره العنيد الضغط .. وتوفيت بمستشفى الهواري ودفنت بمدينة اجدابيا .
أثنان وخمسون عاماً هي كل ما اختلسته من الدنيا .. اثبتت فيها أن الحياة قد تعوض الإنسان بعض ما أخذته منه .. وعمتي عيشة عرفت كيف تأخذ حقها من الحياة .. فعاشت كما ينبغي .. وماتت كما ينبغي .. رحمها الله .. وجعل قبرها روضةً من رياض الجنة .. حتى يلقاها وهو راضٍٍ عنها .

كومو تي كياما ؟ بقلم ابوالقاسم المزداوي


                                                              بقلم ابوالقاسم المزداوي

ما حدث لي هو أشبه لما حدث  للمزارع الليبي إبان الاستعمار الإيطالي البغيض


 والذي كان يعمل بأجر يومي في مزرعة أحد المستعمرين الطليان والذي أنهكته

 الشيخوخة بعد خمسة عشرة عاما قضاها الرجل  كدا وعرقاً بأرض لم ينل منها إلا

 المشقة والتعب حينما حاول أن يبدي رغبته في ترك العمل و الحصول على 

مستحقاته نظير هذه المدة الطويلة التي قضاها كداً وتعباً في هذه المزرعة فما كان

 من ( الطلياني) المتعجرف بعد أن نظر إليه نظرة احتقار وتعال إلا أن يسأله قائلا :

 كومي تي كياما ؟ أي من أنت أوما هو اسمك ؟ 


فلقد قضيت صحبة بعضا من زملائي اثني عشر عاما متواصلة بحلوها ومرّها في

 العمل بالملحق الثقافي بصحيفة الجماهيرية متجاوزاً الأزمة تلو الأخرى (أزمة 

ورق- أزمة أقلام – أزمة مادية – أزمة معنوية – أزمة كراسي – أزمة طاولات –

 أزمة مكاتب – أزمة تقنية – أزمة إمكانيات – أزمة استكتاب – أزمة مستحقات


 مالية للكتاب (باستثناء النصف الأخير من السنة الماضية ) كل هذا والملحق يشق

 طريقه بصعوبة بالغة وهو يحاول الصمود لاسيما وأنه ظل طويلا يمثل النافذة

 الثقافية الوحيدة التي يطل منها مبدعونا بمختلف اتجاهاتهم وإبداعاتهم كل أسبوع

 على القراء .


طيلة هذه المدة إلا قليل منها لم يسمع فيها احد لنا شكوى بل ولقد نسينا فيها

 حضور مناسباتنا الاجتماعية والتي كانت من سوء حظنا أنها لا تقام إلا في أيام

 الخميس وهو اليوم الذي كنا نعد فيه هذا الملحق والذي لم يتغير موعده حتى هذه

 الساعة حتى أنني شخصيا تعودت على  (زعل) الأصدقاء والأحباب والأقارب ومنهم

 من خسرتهم جراء ذلك إلى الأبد .


بالإضافة إلى ظروف وعوامل أخرى مساعدة حتى أنني كنت في كثير من الأحيان

 أخرج بعد منتصف الليل وفي عزّ الشتاء لأجد أوصال سيارتي العجوز وقد تجمدت

 من البرد حتى أن دفع الأصدقاء والمتطوعين لها لن يحرك أو يحنن لها قلباً ما

 يجعل من عودتي إلى البيت عن طريق ( ألأوتو ستوب ) أو في أحسن الأحوال

 (بالأفيكو) أمراً محتوماً .


نتيجة لهذا وبناء على رغبتي في التغيير وربما إيمانا مني بالتداول المهني أو

 الوظيفي (على غرار تداول السلطة) فلعله جاء  الوقت ليحل غيري مكاني مع

 ألإحساس  بالإرهاق وعدم تحمل المزيد من الضغوط بفعل تقدم العمر فلقد رأيت

 ومن وجهة نظري أن ترك الملحق قد حان وقته 

لكنني صُدمت برفض طلبي عديد المرات ولأنني كنت مصراً على ذلك، وبعد مداولات

 ومحاولات وتدخل شخصي من قبل السيد أمين الهيئة والذي قام مشكورا

 بدبلوماسيته المعهودة بفك الاشتباك وفض الارتباط فقد وجدت نفسي وبعد هذه

 المدة الطويلة خارج الملحق ، لكن الذي عكر صفو هذا الانجاز إذا جاز التعبير هو

 حذف اسمي من هيئة التحرير في اليوم التالي دون الإشارة إلى ذلك و سنين العمر

 التي انسلخت مني في هذا الملحق . ومع هذا حمدت الله على أنه لم يعد الأمر كأيام

 زمان عندما كان يُشترط في الالتحاق بأي عمل جديد ضرورة إحضار شهادة حسن

 السيرة والسلوك  من العمل السابق وإلا ( كنا رحنا فيها )


ولكنني ومع هذا وكعادتي ورغم ما جرى لابد لي من التوكيد بأنني لا أكُنّ أي ضغينة

 ولا حقد لأي من زملائي الذين سأظل أحترمهم وأقدرهم بداية من السيد أمين

 التحرير وحتى أحدث فرد في الصحيفة والتي عشت فيها ربما أحلى وأمرَ أيام

 حياتي ولكنني رأيت وأعتقد بأن هذا من حقي بأن ألوم زملائي وأعاتبهم على هذا

 التوديع ( الصامت) الذي لا يليق بنا نحن معشر العاملين بهذه المهنة الحضارية

 لأننا أبناء هذا المجتمع الطيب و لسنا من طينة الطلياني الذي لم يستطع إخفاء

 عجرفته وسوء منبته عندما سأل ذاك الرجل الطيب عن اسمه بشكل يعني عدم

 الاعتراف به كإنسان وهو الذي لم يفعل عيباً سوى أنه طالب بحقه المشروع كأي

 شخص قام بواجبه وبالتالي من حقه المطالبة بأبسط حقوقه. 

حوار مع الكاتب الليبي أبو القاسم المشاي ،، رواية اليوم تشهد على راهنها عبر كثافة الواقع الإفتراضي


أبو القاسم المشاي كاتب وباحث تتماس في إبداعاته الفلسفة بالفكر بالنقد الأدبي عبر أدوات ما بعد الحداثة فإضافة إلى انشغاله بالنص الشعري واحترافه التشكيل اللوني له مساهمات مقدرة تمثلت في عديد المقالات والأبحاث حول الفكر الحديث وعالم ( الإفتراضي ) .صدر له : " حافة القراءة " ، " نزيف الطمأنينة " ، " السلطة واللغة " . وينجز الآن رواية بعنوان : " استديو العرافات " . فإلي الحوار .
                                                           حاوره : أبوبكر حامد كهال
                                                                 نشر بالشمس الثقافي
* لنتحدث عن الشعر ومفرداته اليوم . كيف تحدثنا عنه ؟ 
أبو القاسم المشايفي البداية يتأسس الخطاب على : ما هو مفهومنا وتصورنا للشعر سواء ما بعد حداثة ، حداثة ، ما قبل حداثة .. لأننا أمام الشعر لا يمكن أن نجد سوى الشعر ، دون قطيعة ، بالرغم أن الشعر سر ولادة لحظته وبيئته ورمزيته اللغوية ومكوناته الثقافية .. ، وروحها التى ينطق بها ويحدس عبرها ويتأوه بحنجرتها ويتلذذ بإيقاعها و .. ، ولكن مع بودلير الذى أقفل رمزية وروح المخيلة وأزاح عنها ستار من بياض الكفن حين أعلن : " كلنا نذهب معهم في الجنازة الصامتة ، جنازة لا أحد ، إذ ليس هناك أحد ما لندفنه "  ، وهذه لحظة انحباس في غشاء المعنى ذاته الذى نقوله عن شعر الحداثة أو خطاب الحداثة الشعري .. ، حيث نهاية الحرب العالمية وتضميد النزيف ومحاولة تأبين الألم بالصدمة الشعرية ، وإعادة تحرير الجسد من إيقاعاته الجامدة / وما يعصر خلاياه من حزن .. وذكريات قاسية حاكتها حروب وملايين الجثث ، والمعاناة الفائضة عن الذات واللغة .. وهي عكست روح وطيف معناها وأناشيدها وهذيانها على ظهور حركات جديدة ، تتلو على الجسد وباللغة ذاتها نصوصها النثرية .. قداسة الجسد ، وهى ذاتها المدونة التى كتبت انتسابها حيث كلما شطح الجسد أينعت أنوثة الحكمة ( ؟؟ ) وداخل النسيج الإفتراضي .. والسايبر- نت والكتابة الإلكترونية ونهاية المشاهد والتمركز السمعي - بصري نعلن عن عبر – جسدي يمحو النص شاعريته داخله ويعيد تدوينها من ذات الامحاء وتأبيد المعني .. وكلما فاض الجمال عن روح الأفتراضي سأخرج من اللغة ( ؟؟ ) .وشعر ما بعد الحداثة يعدّ ذاته كسؤال مربك ويتيم لعيون الشعرية ورمزيتها الصوروية وديمومتها بغض النظر عن حدود فهمنا أو تسطيحنا للشعرية بالتصنيف:. شعبي ، فصيح ، عمودي ، أفقي ، موزون ، عامي ، نبطي ، عربي ، فرنسي ، ياباني ، سورينامي  .. ، ومن أي بيئة وعن أي معني / يتجه لمستقبل سؤاله ليختفي في ظل ( الدال ) أو الدليل الذي يقود عمى المعني إلى حدوسات مؤبدة او مفترضة للحظات مارقة عن كنه المعنى ذاته الذي اسس للسؤال الذي يطل كلما أمعنا التآمل في بصيص القراءة للمستقبل ( وما يدوم وحده يؤسسه الشعر !! ) .
* ما هي الرواية المعاصرة ومستقبلها داخل هذا التزاحم وعصر الصورة والفيديو ؟ وأين وصلت بروايتك ؟ 
الرواية وجسدها ولعبتها السحرية ، واللغز ، البيان ،  .. الذي تولده وتحدثه في القارئ لا يمكن أن يتجاوز الشعر .. وبالتالي الرواية حالة كائنة برمزيتها وكل ما يعبر عنها ويحمل منها رواية سردية ، ما وراء حكائية ... بالضرورة نابع من الشعرية وما دامت الحالة الشعرية واليقظة التنبؤية للعبث داخل سيرة الذاكرة الحاضرة / الماضية / ومستقبلها وتفكيكها لعالمها ومحورها وأرشيفها وذاكرتها الإنسانية  فهي أيضاً ترتبط جينياً وجنينياً ( جينالوجيا معرفية ) بذائقة الشعر والفن عموماً ، وهي روح تعبيرية .. وهي من ذات الروح التى تصنعها السخرية .. لغة الفلسفة ذاتها . وهي سخرية من الذات / الجسد / من الحياة وأغلب الروايات الكبيرة نسجت من هذه المواد مكوناتها وبنيتها ووضعت خرائط تفكيكها ومطاردة حدوثاتها ومشاهدها بكل ما تحمله من ألم ، لذة ، سخرية ، فضح ، معاناة ، .. فهي تتبع الطريق ولكنها عبر التوجس ، الخوف ، الرغبة ، العنف ، الجمال ، العرافة ، الاثم ، المغفرة ، الجهل ، القوة ، .. ورواية اليوم تشهد على راهنها عبر كثافة الواقع الإفتراضي ، وعبر تفكيك شفرة الخيال ، ونثرها عبر متاهة جديدة . . وكأننا نشهد على ولادة جيل جديد ( تائه أبداً ) داخل خضم وتزاحم الافتراضي وتسارع المحاكاة والشفاهية عن بعد ، الخطاب عن بعد ، لغة السايبر- نت وعصر التدوين ، ونص الومضة أو نص المفارقات الكبرى ، والعناوين الاختراقية ويظهر مستقبل الرواية والمنهجيات النقدية لما يطلق عليه رواية ميتا – حكائية ، أو رواية ما وراء الحكائية تظهر مغمضة في أيضاح مستقبل الرواية ، بالرغم من أن الرواية تشهد على صعودها وكثافة انتاجيتها وتنوعها .. وموضوعاتها والبحوث والدراسات التى تعيد المسح على مرآة مشاهدها . . وعلى ذات العتبة التى تعلن عن نهاية المشاهد . ومن هنا تطفو أسئلة الروية في مستقبلها القريب / وتسارع الكتابة الرقمية ، وتنامي الصورة ، الفيديو – الشاشات الفضائية ، السينما ، DVD   ، .. جميعها تتنافس للسيطرة على ( التمركز السمعي – البصري ) أي السيطرة على عقل وروح المتلقي ( القارئ ) ، مع الحضارة الافتراضي وتقنياتها ووسائطها وأدواتها و . . وذوبان حدودها فإنها تقف على سطح الخواء ، هل سنتفق على شاهد انتصارها لصالح الافتراضي أم نوثق لحظة اندثارها وتحللها داخل الرقميات وعبر أوعية الديجيتالية !! .ومن ذات السؤال أين سنجد هذا القارئ الافتراضي ؟ بأي لغة سنكتب له نص قراءته ؟ بأي اندماج نحاول أن نسلب قشرة المعني لنقدم له فاكهة التلذذ بقراءة روايتي القادمة ( أستديو العرافات ) ربما تصدر بعد حين !!  . 
*  برأيك كيف يقرأ الأديب والمثقف الأزمة الإقتصادية .العالمية اليوم ؟ 
ج /  توجتّ خطابات العولمة ، نهاية العمل ، التجارة الالكترونية ، هجرة الوظائف، ثقافات عابرة للحدود ، وغيرها من المفاهيم والأطروحات التى انتجتها نهايات وبدايات . . أزمة التواصل و ( ما يعرف ) بالنظام الغائي للتاريخ البشري والذي لا يصل في الوقت المحدد ، ومن هنا بدأت تطل اشكاليات كبرى داخل خرائط العالم (القديم) وهوياته والتى ارتبطت بما رسمته الهيمنة منذ بدايات القرن السادس عشر، وما طرحته من حلول وقدمته من أفكار تنويرية واختراعات علمية ساهمت في بناء العالم الإقتصادي وحركته النقدية وسيولة انتاجياته وضمن هذه الأطياف الفكرية وقراءاتها وتدارسها ( النقدية ) أخذت علاقات السوق والبضاعة علامتها وروحها ضمن حقول تنوعها الايديولوجي وقواعد السيطرة والتنافسية والتبادلية التى أنتجت علاقات ( القيمة ) المالية للنقود مهما كان نوعها وضمن حدود المضاربات والتنافس وصراع العلامات التجارية . . . 
* ولكن ماذا سيضمن لنا ( إقتصاد المستقبل ) ؟ .. 
وكما قلنا في بداية الحوار بأن عتبات حضارة جديدة في طورها الثالث تشكلت كمرحلة تطور فكري إنساني بالضرورة ، وحيث كانت إلى أجل قريب ( بدايات الستينيات  من القرن الماضي ) كانت الأفكار تتقدم على العالم . . . وبقيت الفكرة بعيدة معلقة على جدار المستقبل ، ولكنها ضمن حضارة اليوم وعصبها فأن الفكر إستثنائي وتنبؤي وصار ضمن ( الآن ) ، وصارت المدارس ( التقدية ) التآويلية ، التكوينية ، السيميائية ، . . أرث فكري أو شكل من الرومانسية ( الفكرية ) النقدية التاريخانية  وما أنتجته تكنولوجيا المعلوماتية ولغة الافتراضي وعصر الشاشة  شكل قاعدة وركيزة تحول تاريخي ( مصيري ) لمختلف انماط الحضور المجتمعي حيث أختفت الحدود وقواعد عمل السوق وقيم التبادل ومختلف التنظيرات التى شكلت ( المادية التاريخية ) ومفاهيم وبناء الدولة التقليدية ونظم الاقتصاد وهذه المرحلة ( ساهمت في تذويب المسافات ) وضخت الوهم في قلب الخواء بوصفه معني جديد أي جعل المأزق النقدي الايديولوجي العقائدي . .  لا يري ولا يقرأ بأن العالم هو بالذات اختفاء للعالم  . . وما تقدمه الأفتراضية واحتراق أفران ( المطابخ ) الاعلامية  ووسائطها التقنية امام البث المتجاوز للخطابات الممنهجة والمؤطرة حسب مقاسات السوق .. صار من الماضي ومن التراث وتبدلت إستراتيجية الدليل وتبدلت لعبة السوق وقيم الاستعمال على حساب نظام قيم التبادل ذاته اللذان شكلا أصل النظام الاقتصادي الذي قرأناه عبر الفكر الماركسي أو غيره من النظريات الاقتصادية التى تأسست على واقع يرسم الزمن على لوحة مظلمة . .ومع الانحباس ألمفاهيمي وتوسع الاستهلاك ونمو أسطورة الإرهاب وأزمة الطاقة . . . انفلات وتكدس البضاعة وانحسار قيمها الاستعمالية . . وتفكك خرائط (ديمغرافية ) اقتصادية واجتماعية جديدة . . ومع نمو تكتلات عملاقة للهيمنة وفق مقتضيات التنبؤية بمستقبل كثيف ومتسارع ومع ظهور ( أيدبولوجيا !! ) التواصلية خارج ما بشرت به الايديولوجيا القديمة للرأسمالية ومع نهاية ما يعرف بالاقتصاد السياسي . . والقطيعة الكبري مع التبادل الرمزي ؛ للنقود وعمليات التبادل العيني ( نهاية Cash Money )   ، وما يعكسه على مختلف قواعد الممارسات الاجتماعية والثقافية وعمليات الشراء والتبادل للبضاعة  . . . وغيرها، وعلى أثرها فأن النظام ذاته الذي شكل قواعد اللعبة سيطيح بذاته أمام تكنولوجيات الافتراضي التى تلغي المسافة والحواجز وتحيلنا إلى هويات رقمية افتراضية أي ندخل في عمق السر الذي يصوغ النص ..الفكرة ..الوهم أن ندخل إلى قلب وذاكرة النظام  الجيني للجسد ذاته الذي يشكل دالة وجودنا . 
* وكأننا وفق ما تنتجه الحضارة اليوم ، نعيش مأزق فكري ؟! ولكننا نعيشه وكأنه مأزق اقتصادي ؟! 
ومع سقوط الجدران والحواجز وانهيار الخرائط القديمة ومع تعددية طيفية لغوية وعرقية وهوياتية ..كما هي عليه اليوم (الاتحاد الاوربي) واندماجه الاقتصادي وبعملة واحدة..نجد على ذات الخرائط قيام جدران وحواجز جديدة..الدكتاتورية،القمع،صراع الهويات، ..التفكيك كما حدث في يوغسلافيا.. وعلى سقف هذه المفككات ينمو عصب الشبكات وتتمدد الفجوة الرقمية..
وبينما ينهار جدار برلين وتنهار الحواجز الايدلوجيا في الاتحاد السوفيتي سابقا (أي نهاية اتحاد واعادة بناء اتحاد جديد.. !!) كما تقام حواجز العزل على فلسطين ويتزايد حدة فهو يتأسس كجدار مادي خرساني شائك ومن جهة فالحرب والابادة وانعدام التوافق تمارس ترسيخا وتكريسا ..وجميعها تتأسس بذات المنهجيات وبذات الكائنات التي تتحدث بأسم السلام والتعايش .. اذن تتحول التعددية مشروع انفصامي تناقضي في بنيته الافهامية والمفاهيمية.. وجميعها مولدات للازمة وان اخذت طابعا كونيا ولكنها بتراكما وتناسلها ..تمنحنا صورة لابعاد الازمة وهوامشها !!مع نهايات القرن الماضي وفي تسعينياته تنبه الفكر لأسئلته ومأزقه .. فالمرحلة التنبؤية كانت حاسمة مع عديد المفكرين .. اذ تم وضع خرائط الطريق الى الحضارة الجديدة وما يعرف في ادبيات اليوم (اقتصاد مجتمع المعرفة).. ولكننا نتسأل اين نحن من كل هذه الانوار التي يتم تعليقها داخل كهف وجودنا وفوق اسقف جماجمنا وامام ابصارنا وعلى صدى سمعنا.. اي عتمة دخلنا اليها دونما فتيل اشتعال او عود ثقاب..؟؟؟ 
* هل يمكن فهم واقعنا وعالمنا بأعتباره مدهش أو لأنه مؤلم معيش عالم الحرية وحياة البؤس ؟ 
مشدوهين من هول الفاجعة ومن جانب من عدم قدرتنا على التصديق او المفاضلة بين جميع الخيارات المطروحة.. من اجل بناء قرارت جديدة قادرة على مواجهة الازمة او تقديم الحلول التي نتوقع انها قادرة على حل الاشكاليات او الازمة.. وبالتالي فأي المعلومات صحيحة وايها خاطئة ..!! وفي ذات الوقت الذي تزايدت فيه مساحات حرية التعبير و الاراء العابرة للحدود.. وانتهت الرقابة التقليدية ..وتزايدت قوة الراى العام العالمي عموما.. في ذات الوقت الذي تقلصت فيه حرية الفرد امام امكانية الخوض في خياراته دونما خوف.. او دونما خضوع لما يبثه الافتراضي والفضاء المرئي.. وغيره من الوسائط التواصلية التي تشحن محيطنا ووجودنا كل يوم باختراعات جديدة وافكار جديدة ..صار من غير الممكن الالمام بكل خفاياها .. وبكل ما تقدمه لنا او ما يمكننا الاعتماد عليه.. ومع تدني مستويات المعرفة ودخول البث الافتراضي والفضائي الى حياتنا الشخصية بغض النظر عن المكان ومع ذوبان المسافات داخل شبكات الانترنت... صارت داخل هذه الفوضى العارمة والكثافة المعرفية وداخل الشبحية المزيفة ومع كل وهم جديد يتم ضخه صار الفكر النقدي التقليدي يمارس افسادا للفكرة ذاتها التي نشهد على انتصارها ونعيش مجدها.. وعلى ذات الصفحة التي نقول فيها بتدهور النوع الانساني نتاج الحروب والامراض والتدمير البيئي و البطالة والارهاب والدكتاتورية وتنامي القمع والعنف......في ذات الصفحة نعلن عن مرحلة انهيار الايدلوجيات والمرجعيات التي اعاقت الفكر لازمنة طويلة .. وهددت الحياة الانسانية وسكبت فوق راس الازمة راسمالها الملعون .. انها لحظة التحرر من الوصايات ومن الحدود ..مرحلة الاختلاف المبجلة باصل السؤال الذي نحته الفكر الانساني على قضبان التاريخ ومسيرة الانسانية ..
* بين مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة انتقال وعبور لحضارة وبداية طور حضاي جديد . كيف يمكن قراءة هذا العبور بمفاهيمنا وتصوراتنا ؟!  
ما هو مهم وسيبقى دائماً .. التفرد الشعري للتحليل والقراءة ، فهذا التفرد هو الذي سيعب داخل كل قابلية وداخل كل شفافية مزيفة ، ولا يمكن بالمطلق حل التناقضات إلا داخل اللغة ذاتها وعبرها وداخل رمزيتها وغوايتها للفكر .. ومادامت أزمة اليوم ترسم ظلها على حوائط المستقبل ، وتصنع أحداثها الكبري عبر شحن الواقع بأقصى حدود التزييف والتحريف .. وتحت منشيتات وأوهام وهي في ذاتها ليست سوى استراتيجيات انتقام .. أو تقويض للاختلاف الذي صاغ مشروعية الحداثة  وروح الأنوار لمرحلة مراها ونشهد على تواريها وتوريتها وكأنها حدث عرضي وعلى حد ما يصوغه هوبر ( إني لا أرسم الخوف والوحدة ، ولكن فقط الضوء على هذا الحائط ) . ولأننا نخوض في ذات المفاهيم التى تنسحق تحت مطرقة وأنفجار مفاهيمي  جديد ومغاير وعلى انقاض مأزق نقدي أيديولوجي للعالم برمته .. ولكننا نعلق الأزمة على عنق الوسائط والوسائل المكممة أصلاً والمشوهة بأرث ( القمع ، العنف ، .. ) المادي المعنوي ، وما تحققه الهيمنة والتسلط على الوسائل والأدوات وعلى ذوات الأفراد بحجة ( النظام ) ، في ذات الوقت الذي لم يعد هناك  نظام أصلاً .. ، أي بمعني ثورة اللا – يقين ، وتناسل الاقتصاد السياسي داخل جينالوجيا الاخلاق / الوعي ، وأمام نقطة أو برزخ اللا – عودة إلى مفاهيم مرحلة ماضية إلا كحالة ( رومانسية هاربة ) ، ومع اختراع الألواح الإفتراضية  والكتابة الرقمية ، وهي الطور الثالث لمرحلة انفجارات معرفية حيث صاغتها تطور  أول الكتابة على الألواح الطينية وجذوع الأشجار والجلود .. إلى مرحلة الطباعة وسرعة الانجاز والتواصل مع مرحلة الحداثة بأنواعها الساطعة والخافتة لنطل اليوم على أنفجار معرفي غير مسبوق يمجد العقل وينتصر للانسان حيث الكتابة الافتراضية والخبر الضوئي ، والكتابة باللمس .. ، أي أن التأسيس والمؤسسة ( المنطق ) سوف يجد ذاته وصورته أمام تحول جذري وفوضي ، ولكنها في مواجهة الابتذال والتسطيح تنتصر للعقل الإنساني .. وكما شهدت القرون الماضية ( مرحلة الحداثة ) ووسائطها وأدواتها .. وتمركزها على العقل ، فهي اليوم ومع الفكر التنبؤي الذي وضع أسئلتها في أواخر القرن الماضي تشحذ تمركزها على السمعي – بصري - ، تضلله الكتابة بالضوء وتعيد بثه في أوعية افتراضية عابرة للحواجز والحدود / عابر عن أي إمكان بإيقافها أو تضليلها .. فقط بما تمليه الافتراضية ( كعتبة حضارية ) وتطور تقني لم تشهده البشرية من قبل ، يتجسد عبر سحق الذات داخل الفضاء والأوعية اللا – مادية للافتراضي ذاته .. حيث الهوية الافتراضية و ( الأنا ) المقدسة ، التى تعيش بملامح الإنسان – آلة ، واختراق الجينات وإعادة بثها والتدخل في معطياتها ونشؤها البدئي ( أنا ) جديدة يُعاد اخصابها ( بين ) الوعي واللا –وعي / بين النظام واللا – نظام ، بين الانساني واللا – انساني .. !! تكفينا مشاهدة وقراءة ميسرة لما ينشر ويبث من حولنا وأمامنا ، وعلى مختلف الواجهات والمستويات , وما تقدمه وسائط التواصل والإعلام وبخطاباتها اللا – نهائية ، والأحداث المتواترة والمتسارعة .. ، وشحن العالم بالخوف والإرهاب وقيم الاستبداد والهيمنة والدكتاتورية .. وتنامي أشكال القمع والفيروسات .. وتزايد اسطورة الإرهاب البيولوجي ، الفكري ، الديجيتالي  ، .. ومع كثافة المعلومات وتسارعها وتذويب المسافات .. لنقف أمام أزمتنا .. أزمة العالم من حولنا ، ومع تشابك العلاقات والمصالح .. تناقضها وتضاربها .. تنافرها وانصهارها .. حيث يجف منبع الضوء القديم ويعيد بناء جداره الجديد .. من واقع السخرية ذاتها والتى ما فتئت تعلن عن حدود النهايات بدء من نهاية التاريخ ، ونهاية الايديولوجيا ، نهاية المشاهد .. ، وهي ذاتها المأزق الذي يلغي حدوده داخل ( المعنى ) !! .
كما يمكنني القول تعقيباً على الأسئلة الواردة بهذا الحوار  وبما كان يجول بيننا من نقاش يخوض داخل بنية الوهم واستراتيجية  ( الفروض ) التى يمليها الواقع ويحتمها الافتراضي .. وعلى أثر ذلك فأن الفكرة لم تكن بتاتاً بهذه الصورة ، ولكنها حالة امحاء والغاء عند خط التقاطع او القطيعة بين ما هو حداثي / أو بعد حداثي ، بين المعنى واللا – معنى ، بين هذه القراءة وبين عدم وجودها على صفحات الجريدة أو على الواح الضوء الافتراضي ،، وكأننا على ذات الضوء وبصيصه نعمق الفجوة التى يقول بها سؤال الفكر ذاته .. وهي الهوة بين الفكر والواقع !!           






الأربعاء، 9 يوليو 2014

فصد معلن لتاريخ الوله .. مفتاح العماري



نشر بالشمس الثقافي تحت زاوية "مسافات"
                 (1)
لم أجد في هذا الليل الوحيد شرفة صغيرة،
 أضع خدّي على نقاوة رخامها ،
مرتشفا نكهة برودته المنعشة
 لعلّي أستمتع قليلا برؤية الريح والأطفال والحدائق والأعياد .
لم أجد بابا رحيما أطرقه ،
 أو قصيدة نثر نظيفة من ترّهات البكتريا .
لم التق شاعر حداثة ، 
إلا ويدّعي الصداع وغزو الحانات ،
 وتفكيك الجسد ، وطرد الجنّ من أودية الموسيقى .
 لم أجد في صندوق بريدي رسالة واحدة ،
 أثق في نزاهة صدقها أو نقاوة حبرها
 لكي  أبادلها الحنين كلاجئ  أو عاشق أو شحاذ ،
 لم أجد وردة أطمئن إلى شوكها  حتى أضعها كتاج من الوجد
 على رأس حبيبتي .. 
لأني لم أجد في آخر طبعة رديئة من كتاب ( طوق الحمامة ) ،
حبيبة واحدة  لم تغدر بي نزوتها ، كلما سرقني الوجع 
 بعيدا عن مزاج مخالبها .
فما أكاد أتشبّث بمتن امرأة 
حتى تنهار جدران محبّتي اثر أول هزّة ليقين الخديعة .
ولأنّي أيضا .................
لم أجد في كل المصنّفات الأثيرة ،
 من ألف ليلة وليلة إلى (12 دقيقة ) لباولو كويلهو ، 
مرورا بقفشات الشيخ  النفزاوي 
  غير  نسخة رثّة لامرأة مفتونة بتاريخها  السرّي ،
 تقشّر  في كل ليلة لاهبة برتقال نشوتها ، 
وتفلّي ذاكرة أيميلها بحثا عن عشاق الأثير .

            (2)
يلزمني إذن فصد هذه الهشاشة التي تجعلني أتشظّى تيها ،
 كلّما تجرأت امرأة عاشقة على شطيرة قلبي ،
 انهمر متضرّعا تحت قدميها  ،
 ومثل صوفيّ شفّه الوجد، أقبّل أحذية كل الأنبياء ، 
لكي  يقودوا شعوب الأرض بقضّها وقضيضها إلى الجنّة الموعودة ، 
ويتركوا لي  صدرها جحيما أتمرّغ على تاريخه بفم الغابة ، 
وذاكرة المجاعات الأفريقية . 
لكني الآن أتوسّل لهم خاشعا ،
  أن يأخذوا جميع المعاجم الصفراء ومعابد العشق ،
 وحقول تفاح الغواية ،  وتضاريس البذاءات المغرورة بأكاذيبها ، 
ودواوين الأشعار الثملة بسكر خلاعتها ،إلى المتاحف 
والمخازن و المعتقلات .
لأنّي  لم أعد مولعا بسحر هذا المنفى الملائكيّ 
 الذي اخترته فيما مضى طوعا ، وأنا في كامل ثيابي العقلية . 
لهذا قررت أخيرا أن أستأصل هشاشة قلبي 
لعلّي أستردّ ما تبقّى من أحلامي  المعتقلة .

          (3)
لم تعد تغريني كما كنت أهوى ، فكرة الموت بين أحضان
 غيمة تمطر ، أو على صدر أنثى فتية ،
فقد طلّقت شغفي  بالنجوم والنبيذ والغناء  ،
 والسفر في قطارات الليل ،
 واختراق السّرر  الفاتنة لعواصم المجون
 وأقبية المسرّات  . 

          (4)
لاشيء الآن يجعلني سعيدا 
سوى النوم في صحراء قصيدتي ،
 في كهوف صمتها ،
 والنظر إلى جدرانها البدائية ،
خالية من المسامير  والضوضاء و فيشات الكهرباء .
لأنّي انتزعت كل اللوحات وصور العاشقات  وعناوين الرغبة 
من بريد قلبي  وخزائن ولهي .. 
ولم اترك شيئا يستحق الذكر سوى نسيج العنكبوت .
 فقط ، 
سأظلّ في ما تبقّى من رحلة الرئة ،
 أعني رئتي التي امتصّت كل أنواع السموم 
 وحقن الكيماوي ، وغبار القارات البعيدة ،  ورحيق الشفاه 
رئتي التي رشفت رضاب الألفة ، وسحب التبغ الرخيص وعطر الحرائق
 و عواء الحروب وهي تلفظ في شرايين قلبي حمّى منجنيقاتها ،
من دون أن تهبني سانحة آمنة ..
لكي أحمل خيالي نظيفا إلى السرير 
وأطفالي إلى برّ الأحلام البريئة  
وجراحي إلى الجنّة . 
.............
سأظل في القصيدة ،
سأظل، أنا الحبيب ، لا أحد ...
لا نساء ،لا نبيذ  ، لا رسائل ،  لا بلد .

          (5)
سأظل رهنا بوله قصيدتي،  
متيما بها وهي في أبهى تجليات عريها ، 
صامتة وماكرة ومستوحشة ،
 ووحيدة كلغم مهجور
  يترقّب فاجعة ضحاياه 
من الغاوين الذين ترمي بهم النزوات
 على تخومها ، وقد علقوا  بزغب حراشف جبّها الشبق .
 ما أن تلمس أصابع شهوتهم الثملة حلمة الدنس النافرة ،
حتى تتفتّت قباب لذّتهم ،
وقد تحولت إلى مزق من الحكايات المحزنة . 
مدينا في ذلك لامرأة النور الملائكي ، 
 الفاتكة بفتنتها الضالة ، 
التي حولتني من عابد مهووس بخرائط المتع ، 
 إلى راهب سرّ ،
 وكاهن خفاء ،
 وملك فتوحات .

            (6)
 أعرف الآن كيف استخلص خيمياء النار 
من عصارة الظلمة . 
لا شيء يستفزّني أو يستنفر شهوتي بعد هذا الصحو المبارك ،
والصبح العارف الذي انبثقت حكمة براهينه
 من زوبعة بلهاء ، لم تعد جديرة بهبة الكاريزما ، 
بعد أن أهملت بصيغة المضارع ، جعجعة تفسخّها 
تتعفّن منبوذة في وكرها العطن .

                   (7)
 المجد إذن لهذا الخسوف الذي اكتشفت هدي بصيرته  
حين علقت فراشة مزهوة بنفسها  بين براثن زهرة ضارية ،
 فسبحان الجليل الواحد الأحد الذي لا أحد إلا هو ، 
إذ يودع السرّ في  أضأل خلقه .
هكذا صرت موقنا قبل فوات الأوان
 : أن ليس كل ما يلمع ذهبا .. 
هكذا أولا ، وهكذا أخيرا ،
 : يصل النثر  إلى مطافه الآمن ،
 قابضا بمخيلة واثقة على حجّة اليقين ،
من دون أن يهزأ من روح الموسيقى ، 
أو يخلع حدس النار  .





وصايا البحار الطرابلسي للشاعر عاشور الطويبي


هي السفائن محراث البحار و فحلهاهل كان للخشب غير أن يطفو؟  
سمِّ سفينتك غزالة، عروس الشط، مربوحة، الأفق الأزرق....سمها ما شئت
لسان بحر يقترب ويبتعد ، يسمي الأشياء بلسان برّ يسمع ويرى.
للشاطيء ما ألقت الأمواج.
إذا صنعت سفينتك فاصنعها من أفخر الأخشاب الساجي، الماهوجني، العزيزي أوالأرز أما شجرة الجوز الأسود  فاطرحها بعيدا ولا تقربها
فهي شجرة الشيطان تجتذب الصواعق،  تقتل الماشية،  تحرق المنازل،
و تعمي السفينة.
 إذا ركبت البحر لا تأخذ معك شيئا منها ولو كان مقدار حبة شعير، 
أبعدها عنك تعد إلى مرفئك آمنا.
سطح البحر لا يخبر الشمس شيئا، مستلقيا على فراشه الهزاز، 
يمشط شعرها البرتقالي، يغني لها .
صوت الماء  يخرج من البحر.
صوت الماء يعود إلى البحر.
البحر لا يخبر عن حاله
البحر  قد تخذله الريح
تكسر موجاته تجلدها على الشواطيء البعيدة لكن لا يضيق به فضاء.
أولى الخطوات البريئة  والخطوات المتلصصة كانت على الماء.
تجيء يسبقها البدر في قلبها زفرات البحّارة  وأنين الحناجر المجروحة العطشى.
في الغابة يسكن حارس البحار،  يرسل بناته في الفضاء  غربانَ تحلق متوهجة  وفي الأرض ذئابا تلمع عيونها، تمسح من على  الرمال والموج 
ما تراكم من لعنات.
لننتظر اليوم الرابع، لننتظر مرور النوارس المبصرة، 
لننتظر قليلا علنا نرى خنازير البحر تتقافز على الماء أو تظهر الأغنام التي تقتات على التلّ.
دقات طبول وكحول قوي ودم تيس مراق على سارية تنادي أرواحا 
من وراء  أسوارها  لتفض بكارة النور والظلمة.
لا بد للسفينة من روحلكن لا ترجموا طفلا ، لا تطعنوا بحّارا في ظلمة
ولا تغرقوا في غفلة عن الناس صبية يافعة.
ملعون و ميت ، من يجلس على مائدة الأسلاف، من يسرق طعام الأسلاف.
اكتبوا اسمه في كهف الرخويات المهجور، اطمسوا آثار خطواته، 
املأوا بيته بثعابين البحر.
حمّلوا النبيذ الأحمر أحزانكم ، زجاجاته تتلألأ كالمرجان و لو كنتم تقدرون
دحرجوها فوق التل ثلاث مرات قبل أن تستقر على الماء.
ادفعوا لإله الريح عملته الفضية، علقوها على قاعدة الصاري، لا تأخذوا حجارة بيضاء مستديرة ملساء معكم أبدا، لا تلتفتوا وراءكم ، ولا تقهقهوا عاليا ساعة الغروب.
السفينة
في بيت الروح، في حضرة العابدات الصامتات ، تتخطفها أضواء الشمال، يقذفها الموج المتلاطم على جبل، وإذا سحبها النوم إلى وسادته  على مهل تشتعل فيها النيران
في الليل البحار لا يفكر في البحر، يقرّب أوراق النعناع إلى أنفه، 
يستنشق عميقا عروق الأرض، يضعها فوق جفنه على مسافة ذراع من قلبه الراجف، يحس بها ناعمة كسيقان الفطر البري.  
عاريا كعري الريح على صدر المركب، يخرج من جيب معطفه هفوات البحر،  يتركها على إفريز النافذة تحدق في النجوم الطرية بعيون صابرة عليمة